حاجة بنا إلى معرفة ذلك ، لان المعنى الذي دعوا إليه جملته هو مما كان فرضا عليهم
الإجابة إليه في دينهم ، فامتنعوا منه . فأخبر الله جل ثناؤه عنهم بردتهم وتكذيبهم بما في
كتابهم وجحودهم ، ما قد أخذ عليهم عهودهم ومواثيقهم بإقامته والعمل به ، فلن يعدوا أن
يكونوا في تكذيبهم محمدا وما جاء به من الحق مثلهم في تكذيبهم موسى وما جاء به ، وهم
يتولونه ويقرون به .
ومعنى قوله : * ( ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ) * ثم يستدبر عن كتاب الله الذي
دعا إلى حكمه معرضا عنه منصرفا ، وهو بحقيقته وحجته عالم .
وإنما قلنا إن ذلك الكتاب هو التوراة ، لأنهم كانوا بالقرآن مكذبين وبالتوراة بزعمهم
مصدقين ، فكانت الحجة عليهم بتكذيبهم بما هم به في زعمهم مقرون أبلغ وللعذر أقطع .
القول في تأويل قوله تعالى :
* ( ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا
يفترون ) *
يعني جل ثناؤه بقوله : * ( بأنهم قالوا ) * بأن هؤلاء الذين دعوا إلى كتاب الله ليحكم
بينهم بالحق فيما نازعوا رسول الله ( ص ) ، إنما أبوا الإجابة في حكم التوراة ، وما فيها من
الحق من أجل قولهم : * ( لن تمسنا النار إلا أياما معدودات ) * وهي أربعون يوما ، وهن الأيام
التي عبدوا فيها العجل ، ثم يخرجنا منها ربنا . اغترارا منهم بما كانوا يفترون ، يعني بما
كانوا يختلقون من الأكاذيب والأباطيل في ادعائهم أنهم أبناء الله وأحباؤه ، وأن الله قد وعد
أباهم يعقوب أن لا يدخل أحدا من ولده النار إلا تحلة القسم . فأكذبهم الله على ذلك كله
من أقوالهم ، وأخبر نبيه محمدا ( ص ) أنهم هم أهل النار ، هم فيها خالدون ، دون المؤمنين
بالله ورسله وما جاءوا به من عنده .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : * ( ذلك بأنهم قالوا
لن تمسنا النار إلا أياما معدودات ) * قالوا : لن تمسنا النار إلا تحلة القسم التي نصبنا فيها
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 297
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٢٩٧