تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
ثم اختلف أهل العربية في الموضع الذي تناهى إليه الاستفهام من هذا الكلام ، فقال بعضهم : تناهى ذلك عند قوله : * ( من ذلكم ) * ثم ابتدأ الخبر عما * ( للذين اتقوا عند ربهم ) * فقيل : للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ، فلذلك رفع الجنات . ومن قال هذا القول ، لم يجز في قوله : * ( جنات تجري من تحتها الأنهار ) * إلا الرفع ، وذلك أنه خبر مبتدأ غير مردود على قوله بخير ، فيكون الخفض فيه جائزا . وهو وإن كان خبرا مبتدأ عندهم ، ففيه إبانة عن معنى الخير الذي أمر الله عز وجل نبيه ( ص ) أن يقول للناس أؤنبئكم به ؟ والجنات على هذا القول مرفوعة باللام التي في قوله : * ( للذين اتقوا عند ربهم ) * . وقال آخرون منهم بنحو من هذا القول ، إلا أنهم قالوا : إن جعلت اللام التي في قوله للذين من صلة الانباء جاز في الجنات الخفض والرفع : الخفض على الرد على الخير ، والرفع على أن يكون قوله : * ( للذين اتقوا ) * خبر مبتدأ على ما قد بيناه قبل . وقال آخرون : بل منتهى الاستفهام قوله : * ( عند ربهم ) * ثم ابتدأ : * ( جنات تجري من تحتها الأنهار ) * وقالوا : تأويل الكلام : قل أؤنبئكم بخير من ذلكم ؟ للذين اتقوا عند ربهم ، ثم كأنه قيل : ماذا لهم ، أو ما ذاك ؟ أو على أنه يقال : ماذا لهم أو ما ذاك ؟ فقال : هو جنات تجري من تحتها الأنهار . . . الآية . وأولي هذه الأقوال عندي بالصواب قول من جعل الاستفهام متناهيا عند قوله : * ( بخير من ذلكم ) * والخبر بعده مبتدأ عمن له الجنات بقوله : * ( للذين اتقوا عند ربهم جنات ) * فيكون مخرج ذلك مخرج الخبر ، وهو إبانة عن معنى الخير الذي قال : أنبئكم به ؟ فلا يكون بالكلام حينئذ حاجة إلى ضمير . قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري : وأما قوله : * ( خالدين فيها ) * فمنصوب على القطع ، ومعنى قوله : * ( للذين اتقوا ) * للذين خافوا الله فأطاعوه ، بأداء فرائضه ، واجتناب معاصيه . * ( عند ربهم ) * يعني بذلك : لهم جنات تجري من تحتها الأنهار عند ربهم ، والجنات : البساتين ، وقد بينا ذلك بالشواهد فيما مضى ، وأن قوله : * ( تجري من تحتها