تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
مما يستمتع به في الدنيا أهلها أحياء ، فيتبلغون به فيها ، ويجعلونه وصلة في معايشهم ، وسببا لقضاء شهواتهم ، التي زين لهم حبها ، في عاجل دنياهم ، دون أن يكون عدة لمعادهم ، وقربة لهم إلى ربهم ، إلا ما أسلك في سبيله ، وأنفق منه فيما أمر به . وأما قوله : * ( والله عنده حسن المآب ) * فإنه يعني بذلك جل ثناؤه : وعند الله حسن المآب ، يعني حسن المرجع . كما : حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : * ( والله عنده حسن المآب ) * يقول : حسن المنقلب ، وهي الجنة . وهو مصدر على مثال مفعل ، من قول القائل : آب الرجل إلينا : إذا رجع ، فهو يؤوب إيابا وأوبة وأيبة ومآبا ، غير أن موضع الفاء منها مهموز ، والعين مبدلة من الواو إلى الألف بحركتها إلى الفتح ، فلما كان حظها الحركة إلى الفتح ، وكانت حركتها منقولة إلى الحرف الذي قبلها وهو فاء الفعل انقلبت فصارت ألفا ، كما قيل : قال : فصارت عين الفعل ألفا ، لان حظها الفتح والمآب ، مثل المقال والمعاد والمحال ، كل ذلك مفعل ، منقولة حركة عينه إلى فائه ، فتصير وواه أو ياؤه ألفا لفتحة ما قبلها . فإن قال قائل : وكيف قيل : * ( والله عنده حسن المآب ) * وقد علمت ما عنده يومئذ من أليم العذاب وشديد العقاب ؟ قيل : إن ذلك معني به خاص من الناس ، ومعنى ذلك : والله عنده حسن المآب للذين اتقوا ربهم ، وقد أنبأنا عن ذلك في هذه الآية التي تليها . فإن قال : وما حسن المآب ؟ قيل : هو ما وصفه به جل ثناؤه ، وهو المرجع إلى جنات تجري من تحتها الأنهار مخلدا فيها ، وإلى أزواج مطهرة ورضوان من الله . القول في تأويل قوله تعالى : * ( قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد ) * يعني جل ثناؤه : قل يا محمد للناس الذين زين لهم حب الشهوات ، من النساء والبنين ، وسائر ما ذكر جل ثناؤه : * ( أؤنبئكم ) * أأخبركم وأعلمكم * ( بخير من ذلكم ) * يعني بخير وأفضل لكم . * ( من ذلكم ) * يعني مما زين لكم في الدنيا حب شهوته من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ، وأنواع الأموال التي هي متاع الدنيا .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 279 | محمد بن جرير الطبري / الشيخ خليل الميس / صدقي جميل العطار