الكتاب المتشابه الحروف المقطعة التي في أوائل بعض سور القرآن من نحو ألم ، والمص ،
والمر ، والر ، وما أشبه ذلك ، لأنهن متشابهات في الألفاظ ، وموافقات حروف حساب
الجمل . وكان قوم من اليهود على عهد رسول الله ( ص ) طمعوا أن يدركوا من قبلها معرفة مدة
الاسلام وأهله ، ويعلموا نهاية أجل محمد وأمته ، فأكذب الله أحدوثتهم بذلك ، وأعلمهم
أن ما ابتغوا علمه من ذلك من قبل هذه الحروف المتشابهة لا يدركونه ولا من قبل غيرها ،
وأن ذلك لا يعلمه إلا الله . وهذا قول ذكر عن جابر بن عبد الله بن رباب أن هذه الآية نزلت
فيه ، وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه وعن غيره ممن قال نحو مقالته في تأويل ذلك في تفسير
قوله : * ( ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه ) * . وهذا القول الذي ذكرناه عن جابر بن عبد الله
أشبه بتأويل الآية ، وذلك أن جميع ما أنزل الله عز وجل من آي القرآن على رسول الله ( ص ) ،
فإنما أنزله عليه بيانا له ولامته وهدى للعالمين ، وغير جائز أن يكون فيه ما لا حاجة بهم
إليه ، ولا أن يكون فيه ما بهم إليه الحاجة ، ثم لا يكون لهم إلى علم تأويله سبيل . فإذا كان
ذلك كذلك ، فكل ما فيه لخلقه إليه الحاجة ، وإن كان في بعضه ما بهم عن بعض معانيه
الغنى ، وإن اضطرته الحاجة إليه في معان كثيرة ، وذلك كقول الله عز وجل : * ( يوم يأتي
بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ) *
فأعلم النبي ( ص ) أمته أن تلك الآية التي أخبر الله جل ثناؤه عباده أنها إذا جاءت لم ينفع نفسا
إيمانها لم تكن آمنت من قبل ذلك ، هي طلوع الشمس من مغربها . فالذي كانت بالعباد إليه
الحاجة من علم ذلك هو العلم منهم بوقت نفع التوبة بصفته بغير تحديده بعد بالسنين
والشهور والأيام ، فقد بين الله ذلك لهم بدلالة الكتاب ، وأوضحه لهم على لسان رسول ( ص )
مفسرا . والذي لا حاجة لهم إلى علمه منه هو العلم بمقدار المدة التي بين وقت نزول هذه
الآية ووقت حدوث تلك الآية ، فإن ذلك مما لا حاجة بهم إلى علمه في دين ولا دنيا ،
وذلك هو العلم الذي استأثر الله جل ثناؤه به دون خلقه ، فحجبه عنهم ، وذلك وما أشبهه هو
المعنى الذي طلبت اليهود معرفته في مدة محمد ( ص ) وأمته من قبل قوله : ألم ، والمص ،
والر ، والمر ، ونحو ذلك من الحروف المقطعة المتشابهات ، التي أخبر الله جل ثناؤه أنهم
لا يدركون تأويل ذلك من قبله ، وأنه لا يعلم تأويله إلا الله .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 238
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٢٣٨