تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
وأولى التأويلين بالصواب ، ما قاله مجاهد والربيع ، وأن ذلك وصف من الله تعالى ذكره نفسه بأنه القائم بأمر كل شئ في رزقه والدفع عنه ، وكلاءته وتدبيره وصرفه في قدرته ، من قول العرب : فلان قائم بأمر هذه البلدة ، يعنى بذلك : المتولي تدبير أمرها . فالقيوم إذ كان ذلك معناه الفيعول من قول القائل : الله يقول بأمر خلقه ، وأصله القيووم ، غير أن الواو الأولى من القيوم لما سبقتها ياء ساكنة وهي متحركة قلبت ياء ، فجعلت هي والياء التي قبلها ياء مشددة ، لان العرب كذلك تفعل بالواو المتحركة إذا تقدمتها ياء ساكنة . وأما القيام ، فإن أصله القيوام ، وهو الفيعال ، من قام يقوم ، سبقت الواو المتحركة من قيوام ياء ساكنة ، فجعلتا جميعا ياء مشددة . ولو أن القيوم فعول ، كان القووم ، ولكنه الفيعول ، وكذلك القيام لو كان الفعال لكان القوام ، كما قيل : الصوام والقوام ، وكما قال جل ثناؤه : * ( كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ) * ، ولكنه الفيعال فقيل : القيام . وأما القيم فهو الفيعل من قام يقوم ، سبقت الواو المتحركة ياء ساكنة فجعلتا ياء مشددة ، كما قيل : فلان سيد قومه ، من ساد يسود ، وهذا طعام جيد من جاد يجود ، وما أشبه ذلك . وإنما جاء ذلك بهذه الألفاظ لأنه قصد به قصد المبالغة في المدح ، فكان القيوم والقيام والقيم أبلغ في المدح من القائم . وإنما كان عمر رضي الله عنه يختار قراءته إن شاء الله القيام ، لان ذلك الغالب على منطق أهل الحجاز في ذوات الثلاثة من الياء والواو ، فيقولون للرجل الصواغ : الصياغ ، ويقولون للرجل الكثير الدوران الديار . وقد قيل إن قول الله جل ثناؤه : * ( لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ) * إنما هو دوارا فعالا من دار يدور ، ولكنها نزلت بلغة أهل الحجاز ، وأقرت كذلك في المصحف . القول في تأويل قوله تعالى : * ( نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل ئ من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام ) * يقول جل ثناؤه : يا محمد إن ربك ورب عيسى ورب كل شئ ، هو الرب الذي أنزل عليك * ( الكتاب ) * يعني بالكتاب : القرآن . * ( بالحق ) * يعني بالصدق فيما اختلف فيه أهل التوراة والإنجيل ، وفيما خالفك فيه محاجوك من نصارى أهل نجران ، وسائر أهل الشرك
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 225 | محمد بن جرير الطبري / الشيخ خليل الميس / صدقي جميل العطار