تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأ عامة أهل الحجاز والمدينة وبعض أهل العراق : * ( أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ) * بفتح الألف من أن ونصب تضل وتذكر ، بمعنى : فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان كي تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت . وهو عندهم من المقدم الذي معناه التأخير ، لان التذكير عندهم هو الذي يجب أن يكون مكان تضل ، لان المعنى ما وصفنا في قولهم . وقالوا : إنما نصبنا تذكر ، لان الجزاء لما تقدم اتصل بما قبله فصار جوابه مردودا عليه ، كما تقول في الكلام : إنه ليعجبني أن يسأل السائل فيعطى ، بمعنى أنه ليعجبني أن يعطى السائل إن سأل أو إذا سأل ، فالذي يعجبك هو الاعطاء دون المسألة . ولكن قوله أن يسأل لما تقدم اتصل بما قبله ، وهو قوله : ليعجبني فتح أن ونصب بها ، ثم أتبع ذلك قوله : يعطى ، فنصبه بنصب قوله : ليعجبني أن يسأل ، نسقا عليه ، وإن كان في معنى الجزاء . وقرأ ذلك آخرون كذلك ، غير أنهم كانوا يقرءونه بتسكين الذال من تذكر وتخفيف كافها . وقارئو ذلك كذلك مختلفون فيما بينهم في تأويل قراءتهم إياه كذلك . وكان بعضهم يوجهه إلى أن معناه : فتصير إحداهما الأخرى ذكرا باجتماعهما ، بمعنى أن شهادتها إذا اجتمعت وشهادة صاحبتها جازت ، كما تجوز شهادة الواحد من الذكور في الدين ، لان شهادة كل واحدة منهما منفردة غير جائزة فيما جازت فيه من الديون إلا باجتماع اثنتين على شهادة واحد ، فتصير شهادتهما حينئذ منزلة شهادة واحد من الذكور . فكأن كل واحدة منهما في قول متأولي ذلك بهذا المعنى صيرت صاحبتها معها ذكرا ، وذهب إلى قول العرب : لقد أذكرت بفلان أمه ، أي ولدته ذكرا ، فهي تذكر به ، وهي امرأة مذكرة إذا كانت تلد الذكور من الأولاد . وهذا قول يروى عن سفيان بن عيينة أنه كان يقوله . حدثت بذلك عن أبي عبيد القاسم بن سلام أنه قال : حدثت عن سفيان بن عيينة أنه قال : ليس تأويل قوله : * ( فتذكر إحداهما الأخرى ) * من الذكر بعد النسيان إنما هو من الذكر ، بمعنى أنها إذا شهدت مع الأخرى صارت شهادتهما كشهادة الذكر . وكان آخرون منهم يوجهونه إلى أنه بمعنى الذكر بعد النسيان . وقرأ ذلك آخرون : إن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى بكسر إن من قوله : إن تضل ورفع تذكر وتشديده . كأنه بمعنى ابتداء الخبر عما تفعل المرأتان ، إن نسيت