تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 677

مساهمون:

ص٦٧٧
الحركات . وليس للذي قال من ذلك معنى ، لان ذلك إنما كان جائزا أن يكون كذلك لو كان معنى الكلام : لا تضارون والدة بولدها ، وكان المنهي عن الضرار هي الوالدة . على أن معنى الكلام لو كان كذلك لكان الكسر في تضار أفصح من الفتح ، والقراءة به كانت أصوب من القراءة بالفتح ، كما أن مد بالثوب أفصح من مد به . وفي إجماع القراء على قراءة : لا تضار بالفتح دون الكسر دليل واضح على إغفال من حكيت قوله من أهل العربية في ذلك . فإن قال قائل ذلك قاله توهما منه أنه معنى ذلك : لا تضارر والدة ، وأن الوالدة مرفوعة بفعلها ، وأن الراء الأولى حظها الكسر فقد أغفل تأويل الكلام ، وخالف قول جميع من حكينا قول من أهل التأويل . وذلك أن الله تعالى ذكره تقدم إلى كل واحد من أبوي المولود بالنهي عن ضرار صاحبه بمولودها ، لا أنه نهى كل واحد منهما عن أن يضار المولود ، وكيف يجوز أن ينهاه عن مضارة الصبي ، والصبي في حال ما هو رضيع غير جائز أن يكون منه ضرار لاحد ، فلو كان ذلك معناه ، لكل التنزيل : لا تضر والدة بولدها . وقد زعم آخرون من أهل العربية أن الكسر في تضار جائز ، والكسر في ذلك عندي غير جائز في هذا الموضع ، لأنه إذا كسر تغير معناه عن معنى لا تضار الذي هو في مذهب ما لم يسم فاعله ، إلى معنى لا تضار الذي هو في مذهب ما قد سمي فاعله . فإذا كان الله تعالى ذكره قد نهى كل واحد من أبوي المولود عن مضارة صاحبه بسبب ولدهما ، فحق على إمام المسلمين إذا أراد الرجل نزع ولده من أمه بعد بينونتها منه ، وهي تحضنه وتكلفه وترضعه بما يحضنه به غيرها ويكلفه به ويرضعه من الأجرة ، أن يأخذ الوالد بتسليم ولدها ما دام محتاجا الصبي إليها في ذلك بالأجرة التي يعطاها غيرها . وحق عليه إذا كان الصبي لا يقبل ثدي غير والدته ، أو كان المولود له لا يجد من يرضع ولده ، وإن كان يقبل ثدي غير أمه ، أو كان معدما لا يجد ما يستأجر به مرضعا ولا يجد ما يتبرع عليه برضاع مولوده ، أن يأخذ والدته البائنة من والده برضاعه وحضانته لان الله تعالى ذكره حرم على كل واحد من أبويه ضرار صاحبه بسببه ، فالاضرار به أحرى أن يكون محرما مع ما في الاضرار به من مضارة صاحبه . القول في تأويل قوله تعالى : وعلى الوارث مثل ذلك .