تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 671

مساهمون:

ص٦٧١
كذلك ، وكان الحمل مما لا سبيل للنساء إلى تقصير مدته ، ولا إلى إطالتها فيضعنه متى شئن ويتركن وضعه إذا شئن ، كان معلوما أن قوله : ( وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) ( 1 ) إنما هو خبر من الله تعالى ذكره عن أن من خلفه من حملته وولدته وفصلته في ثلاثين شهرا ، لا أمر بأن لا يتجاوز في مدة حمله وفصاله ثلاثون شهرا لما وصفنا ، وكذلك قال ربنا تعالى ذكره في كتابه : ( ووصينا الانسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) ( 1 ) . فإن ظن ذو غباء ، أن الله تعالى ذكره إذ وصف أن من خلقه من حملته أمه ووضعته وفصلته في ثلاثين شهرا ، فواجب أن يكون جميع خلقه ذلك صفتهم ، وأن ذلك دلالة على أن حمل كل عباده وفصاله ثلاثون شهرا ، فقد يجب أن يكون كل عباده صفتهم أن يقولوا إذا بلغوا أشدهم وبلغوا أربعين سنة ( رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه ) ( 1 ) على ما وصف الله به الذي وصف في هذه الآية . وفي وجودنا من يستحكم كفره بالله وكفرانه نعم ربه عليه ، وجرأته على والديه بالقتل والشتم وضروب المكاره عند استكماله الأربعين من سنيه وبلوغه أشده ما يعلم أنه لم يعن والله بهذه الآية صفة جميع عباده ، بل يعلم أنه إنما وصف بها بعضا منهم دون بعض ، وذلك ما لا ينكره ولا يدفعه أحد ، لان من يولد من الناس لتسعة أشهر أكثر ممن يولد لأربع سنين ولسنتين ، كما أن من يولد لتسعة أشهر أكثر ممن يولد لستة أشهر ولسبعة أشهر . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأ عامة أهل المدينة والعراق والشام : ( لمن أراد أن يتم الرضاعة ) بالياء في ( يتم ) ونصب ( الرضاعة ) بمعنى : لمن أراد من الآباء والأمهات أن يتم رضاع ولده ، وقرأه بعض أهل الحجاز ( لمن أراد أن تتم الرضاعة ) بالتاء في ( تتم ) ، ورفع ( الرضاعة ) بصفتها ( 2 ) . والصواب من القراءة في ذلك عندنا قراءة من قرأ بالياء في ( يتم ) ونصب ( الرضاعة ) ، لان الله تعالى ذكره قال ( والوالدات يرضعن أولادهن ) فكذلك هن يتممها إذا أردن هن والمولود له إتمامها ، وأنها القراءة التي جاء بها النقل المستفيض الذي ثبتت به الحجة دون القراءة الأخرى . وقد حكي في الرضاعة سماعا من العرب كسر الراء التي فيها ، وإن تكن