تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 541

مساهمون:

ص٥٤١
والمحال ، وإنما يستدل على افتراق معاني هذه الحروف بافتراق الأجوبة عنها . ألا ترى أن سائلا لو سأل آخر فقال : أين مالك ؟ لقال بمكان كذا ، ولو قال له : أين أخوك ؟ لكان الجواب أن يقول : ببلدة كذا ، أو بموضع كذا ، فيجيبه بالخبر عن محل ما سأله عن محله ، فيعلم أن أين مسألة عن المحل . ولو قال قائل لآخر : كيف أنت ؟ لقال : صالح أو بخير أو في عافية ، وأخبره عن حاله التي هو فيها ، فيعلم حينئذ أن كيف مسألة عن حال المسؤول عن حاله . ولو قال له : أنى يحيي الله هذا الميت ؟ لكان الجواب أن يقال : من وجه كذا ووجه كذا ، فيصف قولا نظير ما وصف الله تعالى ذكره للذي قال : أنى يحيى هذه الله بعد موتها فعلا حين بعثه من بعد مماته . وقد فرقت الشعراء بين ذلك في أشعارها ، فقال الكميت بن زيد : تذكر من أنى ومن أين شربه * يؤامر نفسية كذي الهجمة الإبل وقال أيضا : أنى ومن أين نابك الطرب * من حيث لا صبوة ولا ريب فيجاء ب " أنى " للمسألة عن الوجه وب " أين : للمسألة عن المكان ، فكأنه قال : من أي وجه ومن أي موضع راجعك الطرب . والذي يدل على فساد قول من تأول قول الله تعالى ذكره : فأتوا حرثكم أنى شئتم كيف شئتم ، أو تأوله بمعنى حيث شئتم ، أو بمعنى متى شئتم ، أو بمعنى أين شئتم أن قائلا لو قال لآخر : أنى تأتي أهلك ؟ لكان الجواب أن يقول : من قبلها أو من دبرها ، كما أخبر الله تعالى ذكره عن مريم إذ سئلت : أنى لك هذا أنها قالت : هو من عند الله . وإذ