تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
والاحلال . قالوا : فإنما أنزل الله هذه الآية في حصر العدو ، فلا يجوز أن يصرف حكمها إلى غير المعنى الذي نزلت فيه . قالوا : وأما المريض ، فإنه إذا لم يطق لمرضه السير حتى فاتته عرفة ، فإنما هو رجل فاته الحج ، عليه الخروج من إحرامه بما يخرج به من فاته الحج ، وليس من معنى المحصر الذي نزلت هذه الآية في شأنه . وأولى التأويلين بالصواب في قوله : فإن أحصرتم تأويل من تأوله بمعنى : فإن أحصركم خوف عدو أو مرض أو علة عن الوصول إلى البيت ، أي صيركم خوفكم أو مرضكم تحصرون أنفسكم ، فتحبسونها عن النفوذ لما أوجبتموه على أنفسكم من عمل الحج والعمرة . فلذا قيل أحصرتم ، لما أسقط ذكر الخوف والمرض . يقال منه : أحصرني خوفي من فلان عن لقائك ، ومرضي عن فلان ، يراد به : جعلني أحبس نفسي عن ذلك . فأما إذا كان الحابس الرجل والانسان ، قيل : حصرني فلان عن لقائك ، بمعنى حبسني عنه . فلو كان معنى الآية ما ظنه المتأول من قوله : فإن أحصرتم فإن حبسكم حابس من العدو عن الوصول إلى البيت ، لوجب أن يكون : فإن حصرتم . ومما يبين صحة ما قلناه من أن تأويل الآية مراد بها إحصار غير العدو وأنه إنما يراد بها الخوف من العدو ، قوله : فإن أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج والأمن إنما يكون بزوال الخوف . وإذا كان ذلك كذلك ، فمعلوم أن الاحصار الذي عنى الله في هذه الآية هو الخوف الذي يكون بزواله الامن . وإذا كان ذلك كذلك ، لم يكن حبس الحابس الذي ليس مع حبسه خوف على النفس من حبسه داخلا في حكم الآية بظاهرها المتلو ، وإن كان قد يلحق حكمه عندنا بحكمه من وجه القياس من أجل أن حبس من لا خوف على النفس من حبسه ، كالسلطان غير المخوفة عقوبته ، والوالد وزوج المرأة ، وإن كان منهم أو من بعضهم حبس ، ومنع عن الشخوص لعمل الحج ، أو الوصول إلى البيت بعد إيجاب الممنوع الاحرام ، غير داخل في ظاهر قوله : فإن أحصرتم لما وصفنا من أن معناه : فان أحصركم خوف عدو ، بدلالة قوله : فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج . وقد بين الخبر الذي ذكرنا آنفا عن ابن عباس أنه قال : الحصر : حصر العدو .