يعني تعالى ذكره بذلك : كما بينت لكم أيها الناس واجب فرائضي عليكم من الصوم ،
وعرفتكم حدوده وأوقاته ، وما عليكم منه في الحضر ، وما لكم فيه في السفر والمرض ، وما
اللازم لكم تجنبه في حال اعتكافكم في مساجدكم ، فأوضحت جميع ذلك لكم ، فكذلك
أبين أحكامي وحلالي وحرامي وحدودي ونهيي في كتابي وتنزيلي ، وعلى لسان
رسولي وصلى الله عليه وسلم للناس .
ويعني بقوله : ولعلهم يتقون يقول : أبين ذلك لهم ليتقوا محارمي ومعاصي ،
ويتجنبوا سخطي وغضبي بتركهم ركوب ما أبين لهم في آياتي أني قد حرمته عليهم ،
وأمرتهم بهجره وتركه . القول في تأويل قوله تعالى :
* ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا
من أموال الناس بالاثم وأنتم تعلمون ) *
يعني تعالى ذكره بذلك : ولا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل . فجعل تعالى ذكره
بذلك أكل مال أخيب الباطل كالآكل مال نفسه بالباطل ، ونظير ذلك قوله تعالى : ولا
تلمزوا أنفسكم وقوله : ولا تقتلوا أنفسكم بمعنى : لا يلمز بعضكم بعضا ، ولا
يقتل بعضكم بعضا لان الله تعالى ذكره جعل المؤمنين إخوة ، فقاتل أخيه كقاتل نفسه ،
ولامزه كلامز نفسه ، وكذلك تفعل العرب تكني عن أنفسها بأخواتها ، وعن أخواتها
بأنفسها ، فتقول : أخي وأخوك أينا أبطش ، تعني أنا وأنت نصطرع فننظر أينا أشد ، فيكني
المتكلم عن نفسه بأخيه ، لان أخا الرجل عندها كنفسه ومن ذلك قول الشاعر :
أخي وأخوك ببطن النسير * ليس لنا من معد عريب
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 250
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٢٥٠