تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
وأما الخبر الذي روي عن النبي ( ص ) فإنه إن كان صحيحا ، فإنما معناه أنه وضع عن الحامل والمرضع الصوم ما دامتا عاجزتين عنه حتى تطيقا فتقضيا ، كما وضع عن المسافر في سفره حتى يقيم فيقضيه ، لا أنهما أمرتا بالفدية والافطار بغير وجوب قضاء ، ولو كان في قول النبي ( ص ) : إن الله وضع عن المسافر والمرضع والحامل الصوم دلالة على أنه ( ص ) إنما عنى أن الله تعالى ذكره وضع عنهم بقوله : وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين لوجب أن لا يكون على المسافر إذا أفطر في سفره قضاء ، وأن لا يلزمه بإفطاره ذلك إلا الفدية لان النبي ( ص ) قد جمع بين حكمه وبين حكم الحامل والمرضع وذلك قول إن قاله قائل خلاف لظاهر كتاب الله ولما أجمع عليه جميع أهل الاسلام . وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة أن معنى قوله : وعلى الذين يطيقونه وعلى الذين يطيقون الطعام ، وذلك لتأويل أهل العلم مخالف . وأما قراءة من قرأ ذلك : وعلى الذين يطوقونه فقراءة لمصاحف أهل الاسلام خلاف ، وغير جائز لاحد من أهل الاسلام الاعتراض بالرأي على ما نقله المسلمون وراثة عن نبيهم ( ص ) نقلا ظاهرا قاطعا للعذر ، لان ما جاءت به الحجة من الدين هو الحق الذي لا شك فيه أنه من عند الله ، ولا يعترض على ما قد ثبت وقامت به حجة أنه من عند الله بالآراء والظنون والأقوال الشاذة . وأما معنى الفدية فإنه الجزاء من قولك : فديت هذا بهذا : أي جزيته به ، وأعطيته بدلا منه . ومعنى الكلام : وعلى الذين يطيقون الصيام جزاء طعام مسكين لكل يوم أفطره من أيام صيامه الذي كتب عليه . وأما قوله : فدية طعام مسكين فإن القراء مختلفة في قراءته ، فبعض يقرأ بإضافة الفدية إلى الطعام ، وخفض الطعام وذلك قراءة معظم قراء أهل المدينة بمعنى : وعلى الذين يطيقونه أن يفدوه طعام مسكين فلما جعل مكان أن يفديه الفدية أضيف إلى الطعام ، كما يقال : لزمني غرامة درهم لك بمعنى لزمني أن أغرم لك درهما ، وآخرون يقرءونه بتنوين الفدية ورفع الطعام بمعنى الإبانة في الطعام عن معنى الفدية الواجبة على من أفطر في صومه الواجب ، كما يقال لزمني غرامة درهم لك ، فتبين بالدرهم عن معنى الغرامة ما هي وما حدها ، وذلك قراءة عظم قراء أهل العراق .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 191 | محمد بن جرير الطبري / الشيخ خليل الميس / صدقي جميل العطار