به فكتم ايمانه استدامة لقريش على طاعته ، والانقياد لسيادته ليتمكن من
نصر النبي - صلى الله عليه وآله - وإقامة حرمته ، والاخذ بحقه ، وإعزاز
كلمته ، ولهذا السبب كان أبو طالب يخالط قريشا " ، ويعاشرهم ، ويحضر
معهم مآدبهم ، ويشهد مشاهدهم ، ويقسم بآلهتهم ، وهو مع ذلك يشوب
هذه الأفعال بتصديق النبي ( ص ) والحث على اتباعه .
فلو إنه نابذ قريشا " وأهل مكة ، وقال بمنابذتهم ( 1 ) كانوا كلهم
يدا " عليه ، وعلى رسول الله - صلى الله عليه وآله - ولكنه كان يخادعهم
ويظهر لهم أنه معهم حتى تمت الرسالة ، وانتشرت الكلمة ، وشاعت الدعوة
ووضح الحق ، وكثر المسلمون وصاروا عصبة أولي بأس ، ونجدة حتى
شاع ذكره في الآفاق ، وجاءته الوفود ، وعلم من لم يعلم بحاله ، وعرفت
اليهود مبعثه .
ولذلك لما قبض أبو طالب اتفق المسلمون على أن جبرئيل - عليه
السلام - نزل على النبي - صلى الله عليه وآله - وقال له : ربك يقرئك
السلام ، ويقول لك : إن قومك قد عولوا على أن يبتوك ، وقد مات
ناصرك فأخرج عنهم وأمره بالمهاجرة .
فتأمل أضافة الله تعالى أبا طالب - رحمه الله - إلى النبي - عليه السلام -
وشهادته له أنه ناصره فإن في ذلك لأبي طالب - رحمه الله - أو في فخر
وأعظم منزلة ، وقريش رضيت من أبى طالب بكونه مخالطا " لهم مع
ما سمعوا من شعره وتوحيده وتصديقه للنبي - صلى الله عليه وآله - ولم
يمكنهم قتله ، والمنابذة له ، لان قومه من بني هاشم وإخوانهم من بني
المطلب بن عبد مناف وأحلافهم ومواليهم وأتباعهم ، كافرهم ومؤمنهم
هامش
( 1 ) في ص وح : ( بمناظرتهم ) .