أحببت ولكن الله يهدى من يشاء ) يريد إنك لا تحكم ، وتسمى وتشهد
بالايمان لمن أحببت ، ولكن الله يحكم له ويسميه إذا كان مستحقا " له .
فهذان السببان قد وردا في نزول هذه الآية ، وكلاهما إنما كان بعد
موت أبي طالب لأنها :
إن كانت نزلت يوم حنين فوقعة حنين ( 1 ) كانت في شهر رمضان
سنة ثلاث من الهجرة على ما بيناه ، وأبو طالب بلا خلاف مات قبل
الهجرة ، وموته كان السبب في الهجرة . لان الأمة روت أن جبرئيل ( ع )
هبط إلى النبي صلى الله عليه وآله ليلة مات أبو طالب ، فقال له : اخرج
من ( 2 ) مكة فما بقي لك بها ناصر بعد أبي طالب .
وإن كانت نزلت في الذين تأخروا عن النبي ( ص ) - على ما تقدم
القول فيه - فهي أيضا " نزلت بعد موت أبي طالب عليه السلام ، لان
النبي ( ص ) هاجر عن مكة يوم الاثنين في شهر ربيع الاخر على رأس
ثلاث سنين من متوفي أبي طالب ( 3 ) .
هامش
( 1 ) الصحيح أحد كما أسلفنا .
( 2 ) في ص : ( عن ) .
( 3 ) روى المفسرون وجوها في نزول هذه الآية :
آ - ان هذه الآية نزلت في حق أبي طالب عند وفاته كما أسلفنا ، ويذهب إلى
ذلك قسم من مفسري العامة .
ب - ويروي ابن كثير في ( تفسير : 395 / 3 / ط دار احياء الكتب مصر )
انها نزلت عندما جاء رسول قيصر بكتاب للرسول ( ص ) فدفعه إليه ، فوضع
الرسول ( ص ) الكتاب بحجره ، ثم قال : ( ممن الرجل ؟ ) قال : من تنوخ . فقال
الرسول ( هل لك في دين أبيك إبراهيم الحنفية ؟ ) . قال رسول قيصر : إني
رسول قوم وعلى دينهم ، حتى ارجع إليهم . فضحك الرسول ( ص ) ، ونظر إلى
أصحابه ، وقال : ( إنك لا تهدي . . الخ ) الآية .
ج - وروى عدد من المفسرين : ان الآية نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل
ابن عبد مناف ، وكانت عند الرسول رغبة في إسلامه وحب لذلك ( فقال الحارث :
نحن نعلم أنك على الحق ، ولكنا نخاف ان اتبعناك وخالفنا العرب ، ونحن اكلة
رأس - يريد إنا قليلو العدد - ان يتخطفونا ) راجع : ( تفسير المراغي : 74 / 20
والكشاف للزمخشري : 167 / 2 و 333 / 3 وتفسير ابن كثير : 395 / 3 وتفسير
البيضاوي : 9 / 4 ، وأسباب النزول : 169 عن النسائي ، عن ابن عباس ) .
د - السببان اللذان رواهما فخار بن معد في الأصل ، في نزول هذه الآية .
وما دامت الأسباب في نزول هذه الآية خمسة فلماذا تحرف وتقتصر على
أبي طالب دون غيره من الوجوه ، كما وان الاجماع الذي يدعيه بعض المفسرين ناشئ
من ادعاء الزجاج به . والمفسر الآلوسي هو الذي ناقش هذا الاجماع ويرى
ان مدعيه عندما يقول هذا القول لا يرى قيمة لقول الشيعة ، فان اجماعهم على
عكس ما يدعيه الزجاج . نعم الا ان يكون في عرف الزجاج وأمثاله ( ان ) أقوال
آل البيت وشيعتهم . ليست من أقوال المسلمين ، وبهذا يتم له المراد . والقرطبي التفت
إلى ذلك فحاول ان يوجه كلام الزجاج بما يتلائم ورغبته فقال : ( والصواب ان
يقال : أجمع جل المفسرين على أنها نزلت في شأن أبي طالب ) ( تفسير القرطبي : -
299 / 13 ) . محاولة منه لتخفيف الادعاء .
ومرة نرى ( ان أبا سعيد بن رافع قال : سألت ابن عمر هن هذه الآية :
إنك لا تهدي من أحببت أفي أبي جهل وأبي طالب ؟ قال : نعم ) ( أسباب النزول
للسيوطي 168 و 169 ) . والذي اعتقده ان ابن عمر لا يجمع بين عدو الله
ورسوله وأبي جهل ، وبين من نصر الله ورسوله ، ودافع حتى آخر لحظة من حياته
عن الاسلام في صعيد واحد ، وهو يعلم جيدا " مدى الفرق بينهما .
وإذا ما رجعنا إلى موقف معاوية وانه استأجر النفوس الحاقدة على علي عليه
السلام وشيعته وطلب منهم ان يحرفوا ضد علي بعض الآيات . فوجهوا هذه الآية
على لسان ابن عباس ، وابن عمر ، ومجاهد ، وقتادة ، وأرسلوها كما تشاء إرادة
معاوية وأغراضه وكما زوروا وحرفوا غيرها من الآيات .
ويكفي ان نلاحظ ان هناك من روى أن هذه الآية في أبي طالب ، وكان النبي ( ص )
يحب اسلامه ولم يسلم ، وكان يكره اسلام وحشي قاتل حمزة فقبل اسلامه ، ونزلت فيه الآية :
( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ) ( الزمر : 53 )
تقول الرواية : ( فلم يسلم أبو طالب ، وأسلم وحشي ) والغريب ان يسند هذا
الحديث إلى ابن عباس . راجع ( مجمع البيان : 259 - 260 / 7 ) .
وكدليل آخر : تحدثنا المصادر ان معاوية بذل إلى سمرة بن جندب ( مائة
ألف درهم حتى يروي آية أنزلت في علي عليه السلام وهي ( ومن الناس من
يعجبك قوله في الحياة الدنيا ، ويشهد الله على ما في قلبه ، وهو ألد الخصام وإذا
تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ) ( البقرة :
204 و 205 ) ويروي الآية الأخرى انها نزلت في ابن ملجم وهي ( ومن الناس
من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله ) ( البقرة : 207 ) يقول ابن أبي الحديد في
( شرح النهج : 361 / 1 ) فلم يقبل ( سمرة بهذا المقدار ) فبذل له مائتي ألف درهم
فلم يقبل فبذل له أربعمائة الف فقبل وروى ذلك ) . وهكذا تمت الصفقة بين البائع
والمشتري بهذا القدر الوافر من المال ومن بيت مال المسلمين ! ! .
ولماذا لا نحمل بعض المأجورين من أمثال سمرة بن جندب ، الذين جندوا
أنفسهم للنيل من علي ( ع ) وآله وشيعته ان حرفوا هذه الآية وغيرها وخصوها
بابي طالب . وسمرة هو يعترف بجرائمه ويقول ( والله لو أطعت الله ، كما أطعت
معاوية ما عذبني ابدا " ) راجع ( احداث سنة 50 في تاريخ الطبري ، والكامل
لابن الأثير ) .
وقال ابن أبي الحديد في ( شرح النهج : 358 / 1 ) : ( ان معاوية وضع
قوما " من الصحابة وقوما " من التابعين على رواية اخبار قبيحة في علي عليه السلام
تقتضي الطعن فيه والبراءة منه ، وجعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله فاختلفوا
ما أرضاه ، منهم أبو هريرة ، وعمرو بن العاص ، والمغيرة بن شعبة ، ومن التابعين
عروة بن الزبير ) .
وروى في موضع آخر منهم ( سمرة بن جندب ، وحريز بن عثمان ، وعمران
ابن الحصين ، وكعب الأحبار ، وعبد الله بن الزبير ، وغيرهم ) راجع ( شرح النهج :
360 - 363 / 1 ) .
أبعد هذا كله - يا قارئي الكريم - تأمل ان نصدق بأقوال مرتزقة معاوية
وأحاديثهم ، وخاصة فيما يرد منهم في حق آل البيت ؟ . .