بقوله : إن النبي ومن بعده لم يكونوا يفتشون عن العقائد وينبهون على ما هو
الحق .
فإن قيل : فكذا في الأصول المتفق عليها .
قلنا : لاشتهارها وظهور أدلتها على ما يليق بأصحاب الجمل .
ثم أجاب بجواب آخر وقال :
قد يقال ترك البيان إنما كان اكتفاء بالتصديق الإجمالي إذ التفصيل إنما
يجب عند ملاحظة التفاصيل ، وإلا فكم مؤمن لا يعرف معنى القديم والحادث .
فقد ذهب الشيخ الأشعري إلى أن المخالف في غير ما ثبت كونه من
ضروريات الدين ليس بكافر ، وبه يشعر ما قاله الشافعي - رحمه الله - : لا أرد
شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية لاستحلالهم الكذب .
وفي المنتقى عن أبي حنيفة أنه لم يكفر واحدا من أهل القبلة وعليه أكثر
الفقهاء ، ثم ذكر بعض الأقوال من الأشاعرة والمعتزلة الذين كانوا يكفرون
مخالفيهم في المسألة ( 1 ) .
قال ابن عابدين : نعم يقع في كلام أهل المذهب تكفير كثير ، لكن ليس
من كلام الفقهاء الذين هم المجتهدون ، بل من غيرهم ولا عبرة بغير الفقهاء ،
والمنقول عن المجتهدين ما ذكرنا ( 2 ) .
ولعل بعض البسطاء يتصور أن العاطفة والمرونة الخارجة عن إطار
الإسلام صارت مصدرا لهذه الفتيا ، ولكنه سرعان ما يرجع عن قضائه إذا وقف
على الأحاديث المتوفرة الواردة في المقام الناهية عن تكفير أهل القبلة ، وإليك
سردها :
هامش
1 . التفتازاني ، شرح المقاصد : 5 / 227 - 228 .
2 . ابن عابدين : رد المختار : 4 / 237 .