المساهمة الثالثة : نشأة عقيدة أهل السنّة :
إنّ عقيدة أهل السنّة في واقعها جاءت من رحم سقيفة بني ساعدة ، ثمّ كانت المرضعة لها الدّرة العمرية وعنجهيته حتّى تدرّجت بين أحضان شعراء الجن ( 1 ) ، وجنود العسل ( 2 ) ، ثمّ نطقت على لسان المنصور : " لا يفتى ومالك في المدينة " ( 3 ) .
وهكذا كانت حياتها ومنذ نشأتها الأُولى في أحضان الساسة ، والتي سهر أربابها أن يجعلوا منها الكفيل والضمانة في الحفاظ على عروشهم ، بعد أن وشجوها بدعاوي أضاليل لتكون دعامة لبقائهم وتسلّطهم : " لو ولّى عليك عبداً حبشيا فاسمع وأطع " .
وهكذا وضعت عقيدة أهل السنّة في مقام عال بعيداً أن ينال منها أحد ، بل اعتبرت امتداداً لما إرادة الله تعالى وجاء به رسوله الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من منهج للحياة وسبل النجاة .
فمن التزم بها كان من الناجين من النار ومن السلطان .
ومن خالفها كان مع الهالكين وأصحاب دار البوار .
ذلك ما سوّلت لهم أنفسهم ، وما أوحت لهم شياطين السلف الغابر ، فصار الوهم حقيقة ، والسراب يقينا .
وأدّعوا أنهم الفرقة الناجية ، واستدلوا على هذيانهم هذا بأحاديث المخمورين التي يفندها العقل السليم والفطرة النقية قبل الجرح والتعديل وعلم الرجال .
وكان أوّلها عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين
هامش
1 - اللذين قتلوا سعد بن عبادة لما رفض بيعة الشيخين .
2 - الذين قتلوا مالك الأشتر وهو في طريقه إلى مصر .
3 - مغني المحتاج ، الشربيني 1 : 358 ، جواهر التاريخ 1 : 66 .