الكتاب الأوّل ، أي : سفر التكوين ، فقد وجدّت مقولات لا تمكن التوفيق بينها وبين أكثر معطيات العلم رسوخاً في عصرنا .
وأما بالنسبة للأناجيل فما تكاد تفتح الصفحة الأولى منها حتّى نجد أنفسنا دفعة واحدة في مواجهة مشكلة خطيرة ، ونعني بها شجرة أنساب المسيح ، وذلك أنّ نصّ إنجيل متى يتناقض بكلّ جلاء مع إنجيل لوقا ، وأنّ هذا الأخير يقدّم لنا صراحة أمراً لا يّتفق مع المعارف الحديثة الخاصّة بقدم الإنسان على الأرض " .
ودفعني حبّ الاطّلاع والتأكّد من صحّة كلام بوكاي ، إلى تصفّح عدد من الأناجيل المنسوبة للنبي عيسى ( عليه السلام ) ، وهو منها براء ، فوجدّت فيها كثيراً من التناقضات ، التي تؤكّد على أنّ تلك الكتب هي مختلقة من أناس لم يرثوا تعاليم الأنبياء ( عليهم السلام ) ، ولا كانت معارفهم إلهية ، سوى نزر يسير من الأخلاق التي ضمّنوها كتبهم للتمويه على الناس ، واختلاف الأناجيل كان لفظاً ومعنى ، فلا الواحد يشبه الآخر في شيء سوى العنوان ، ولم يعد هناك ذكر للنبي الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) سوى ما ذكره برنابا في إنجيله مستبدلاً اسم النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بمصطلح الفرقليط ، أي : راكب الجمل .
أهم سبب وجود الاختلاف بين الناس :
لم يكن تحريف الكتب السماوية سببه تقصير الأنبياء ( عليهم السلام ) في أداء عهدتهم ، ولا هو نقص حاصل في تشريعاتهم ، بل العلّة كامنة في انحراف أممهم عن المسار المرسوم لهم ، ومخالفتهم للنهج الذي تركهم عليه أنبياؤهم ( عليهم السلام ) ، قال تعالى : * ( وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ) * ( 1 ) .
وحصلت لديّ قناعة بأنّ منشأ اختلاف الناس سياسي ، ومدار صراعه السلطة والحكم ، ولم يكن الدين في ذلك إلاّ ضحيّة تلك الصراعات ، وكان تحريف الأحكام وتأويلها على غير حقيقتها السلاح الذي استعمله البغاة من أجل تضليل
هامش
1 - آل عمران ( 3 ) : 19 .