فكان لهذا الحدث أثره البالغ في نفس « عبد الرحمن » ، وأدرك أنّ من ارتضاه الله تعالى وأطلعه على غيبه ، هو صاحب الحقّ وهو الذي يجب اتباعه .
جاء في كتاب الغيبة للشيخ الطوسي : أخبرني محمّد بن محمّد بن النعمان ، والحسين بن عبيد الله ، عن محمّد بن أحمد الصفواني ، قال : رأيت القاسم بن العلا ، وقد عمّر مائة سنة وسبعة عشر سنة . . . ، وكنت مقيماً عنده بمدينة « الران » من أرض آذربيجان ، فكانت لا تنقطع توقيعات مولانا صاحب الزمان ( عليه السلام ) على يد أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري ، وبعده على يد أبي القاسم الحسين بن روح ، ( قدس الله أرواحهما ) . . . ، فبينا نحن عنده نأكلّ ، إذ دخل عليه البواب مستبشراً ، فقال له : فيج ( 1 ) العراق . . . ، ودخل كهل قصير . . . ، فقام الرجل فأخرج كتاباً . . . ، فناوله القاسم فأخذه ، وقبّله ، ودفعه إلى كاتب ، يقال له : ابن أبي سلمة ، فأخذه أبو عبد الله ففصّه وقرأه ، حتّى أحسّ القاسم ببكائه ، فقال : يا أبا عبد الله خير ؟ فقال : خير ، فقال : ويحك خرج فيَّ شيء ؟ فقال أبو عبد الله : أمّا ما تكره فلا ، قال القاسم : فما هو ؟ قال : نُعي الشيخ إلى نفسه بعد ورود هذا الكتاب بأربعين يوماً ، وكان له صديق ، يقال له : عبد الرحمن بن محمّد السينيري ، وكان شديد النصب ، وكان بينه وبين القاسم ( نضر الله وجهه ) مودّة في أمور الدنيا شديدة . . . ، فقال القاسم لشيخين من مشايخنا المقيمين معه : إنّ قرأ هذا الكتاب عبد الرحمن بن محمّد ، فإنّي أحبُّ هدايته ، وأرجو أن يهديه الله بقراءة هذا الكتاب . . . ، فلمّا مرّ في ذلك اليوم . . . ، دخل عبد الرحمن بن محمّد وسلم عليه ، فأخرج القاسم الكتاب ، فقاله له : إقرأ هذا الكتاب ، وانظر لنفسك ، فقرأ عبد الرحمن الكتاب ، فلمّا بلغ إلى موضع النعي ، رمى الكتاب عن يده ، وقال للقاسم : يا أبا محمّد ، إتق الله ، فإنّك رجل فاضل
هامش
( 1 ) قال في المنجد : الفَيْج جمع فيوج رسول السلطان الذي يسعى على رجليه ، والكلمة معرّبه عن بيك الفارسية الجماعة من الناس .