البكاء على الميت بين الفطرة الإنسانية والتحريم :
إنّ البكاء حالة عاطفية طبيعية في الإنسان يمارسها عندما تنتابه الآلام وتهيج به الأحزان لفقدان عزيز ، أو فراق أحبّة ، وهي حالة تعبّر عن قلق النفس الإنسانية واضطرابها نتيجة غياب من ألفتهم وأحبّتهم عنها ، أو ابتعاد من تعلّقت بهم بعواطف عميقة ووشائج قويّة . ولا يقتصر البكاء على فقدان الأحبّة فقط ، بل تشمل حالات التنفيس من الآلام والكروب والهموم ، كما لا تختص بحالة الحزن ، فقد يبكي الإنسان في حالة الفرح أيضاً .
ونحن نلاحظ بأنّ حالة البكاء تعتمل في كافّة أفراد النوع الإنساني ولا تختصّ بقوم دون قوم ، أو جماعة دون أخرى ، نعم تختلف بحسب طبيعة النوع الإنساني كالرجل والمرأة وطبيعة الأفراد العاطفية ، وقد يكون للبيئة والمناخ ، واختلاف العادات الاجتماعية دور في شدّة ظهور حالة البكاء وضعفها .
كما أنّ البكاء لا يعتبر ضعفاً أو أمراً قبيحاً ، ولا عاراً معيباً كما يراه بعض الذين نزعت الرحمة من قلوبهم .
هذا وقد مارس البكاء الكثير من العظماء وأوّلهم الأنبياء فقد بكى آدم ونوح وإبراهيم ( عليه السلام ) كما بكى يعقوب على ابنه يوسف مدّة طويلة وبكى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) على عمّه حمزة ودعا الناس إلى البكاء عليه ، كما بكى ( صلى الله عليه وآله ) على جعفر بن أبي طالب وبقية شهداء مؤتة ، وبكى على إبراهيم ابنه ، وبكى على عثمان بن مظعون صاحبه وغيرهم كثير ، بل بكى على عترته لما يلقون بعده من بلاء وشدّة وظلم ، وخاصّة ولده الإمام الحسين ( عليه السلام ) قتيل العبرة . لكن وردت بعض الروايات في صحاح أهل السنة ، استفاد منها البعض حرمة البكاء على الميّت ، حيث ورد عن عمر بن الخطاب ، وابنه عبد الله : « إنّ الميت يعذّب ببكاء أهله عليه » ، أو « ببكاء الحيّ عليه » أو « يعذّب في قبره بما ينح عليه » ( 1 ) .
هامش
( 1 ) صحيح مسلم ، كتاب الجنائز ب 9 .