ابن عمّي ، دون رجالكم ، فبلّغ الرسالة ، صادعاً بالنذارة ، مائلاً عن مدرجة المشركين ، ضارباً لحدتهم ، يجذ الأصنام ، وينكث الهام ، ويدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة ، حتّى تفرّى الليل عن صبحه ، وأسفر الحق عن محضه ، ونطق زعيم الدين ، وخرست شقاشق الشياطين ، وتمّت كلمة الإخلاص ( وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَة مِّنَ النَّارِ ) ( 1 ) ، نهزة الطامع ، ومذقة الشارب ، وقبسة العجلان ، وموطىء الأقدام ، تشربون الطرق وتقتاتون القد ، أذلّةً خاسئين ، حتّى استنقذكم الله ورسوله بعد اللتيا والّتي ، وبعد أن مَني ببهم الرجال ، وذؤبان العرب ، ومردة أهل الكتاب ، كلّما أوقدوا ناراً للحرب ، وفغرت فاغرة ، قذف أخاه في لهواتها فلا ينكفي حتّى يطأ صماخها بأخمصه ، ويطفىء عادية لهبها بسيفه ، وأنتم في رفاهيّة آمنون وادعون ، حتّى إذا اختار الله لنبيّه دار أنبيائه ، أطلع الشيطان رأسه ، فدعاكم فألفاكم لدعوته مستجيبين ، وللغرة ملاحظين ، ثمّ استنهضكم فوجدكم غضاباً ، فوسمتم غير إبلكم ، ووردتم غير شربكم ، هذا والعهد قريب ، والكلم رحيب ، والجرح لمّا يندمل ، إنّما زعمتم خوف الفتنة ( أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ) ( 2 ) ، ثمّ لم تلبثوا حيث تسرون حسواً في ارتغاء ، ونصبر منكم على مثل حز المدى ، وأنتم تزعمون أن لا إرث لنا ، ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْم يُوقِنُونَ ) ( 3 ) ، يا معشر المسلمين ، أأبتز إرث أبي ؟ ! أبى الله أن ترث أباك ولا أرث أبي ! لقد جئت شيئاً فريّاً ، فدونكها مرحولة مخطومة ، تلقاك يوم حشرك ، فنعم الحكم الله ، والزعيم محمّد ، والموعد القيامة ، وعند الساعة يخسر المبطلون .
ثمّ انكفأت إلى قبر أبيها تقول :
هامش
( 1 ) آل عمران ( 3 ) : 103 .
( 2 ) التوبة ( 9 ) : 49 .
( 3 ) المائدة ( 5 ) : 50 .