تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية المسترشدين — صفحة 463

مساهمون:

ص٤٦٣
راسخا في الفن ، وخبرة تامة في طرق الاستدلال وفهم الأخبار وتطبيق الأحكام على القواعد وتفريع الفروع على الأصول وأين ذلك من التقليد ؟ ألا ترى أن المهرة في الفن لا يتجرون على مخالفة المشهور إلا مع باعث قوي ودليل ظاهر يصرفهم عنه ؟ ! ولا زالوا يحرصون على موافقة المشهور وتحصيل دليل يوافقه ويأخذون به ولو كان الدال على غيره أقوى في نفسه ، وذلك لأن الاعتضاد بالشهرة يجعل المرجوح أقوى من الراجح الدال على خلافه ، ولا يعد ذلك تقليدا للأكثر وأخذا بقول الجماعة ولا حكما بحجية الشهرة ، وذلك أمر ظاهر لا مرية فيه ، بل ذلك طريقة جارية في سائر الفنون ، فإن مخالفة الأئمة في كل صناعة مما لا يقع من أرباب الخبرة والمهارة إلا مع باعث قوي وحجة واضحة تقودهم إليها ، والظاهر أن ذلك هو المنشأ في وهم الحمصي ، وهو من المقاربين لعصر الشيخ ( رحمه الله ) ، ومقصوده ممن ذكره هو من ذكرناهم من تلامذته وتلامذة تلامذته - مثلا - إلى أن نشأ الفاضل ابن إدريس وبنى على مخالفة الشيخ ( رحمه الله ) والمناقشة معه في الأدلة . فظهر أن ما ذكر من كون الشهرة المتأخرة عن الشيخ ( رحمه الله ) ناشئة عن تقليده في كمال الوهن والقصور . ولو سلم ذلك في الجملة فغاية الأمر أن يتم بالنسبة إلى الشهرة الحاصلة ما بين زماني الشيخ وابن إدريس ، بل الظاهر أن الحمصي لم يدع زيادة عليه ، إذ لا مجال لادعائه ، فإن عدم متابعة الحلي ومن تأخر عنه للشيخ ( رحمه الله ) من الأمور الواضحة لمن له أدنى خبرة . فغاية الأمر أن لا يعتمد على تلك الشهرة المخصوصة فلو سلم وجود شهرة كذلك يتم الإشكال بالنسبة إليها ومعظم الشهرات الحاصلة عندنا غير مأخوذة من خصوص فتاوى تلك الجماعة . غاية الأمر أن ينضم في بعض المقامات فتاواهم إلى فتاوى غيرهم ممن تقدمهم أو تأخر عنهم ويلحظ الشهرة من اتفاق الجميع ، ولا يجري فيه الإشكال المذكور بوجه ، وذلك أمر واضح غني عن البيان . * * *
هداية المسترشدين — صفحة 463 | الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني