تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية المسترشدين — صفحة 740

مساهمون:

ص٧٤٠
إلى نفس التكليف بخلاف محل المسألة ، إذ الحرج والضيق من دواعي المخالفة وأسبابها . ومحال على الحكيم أن يقع منه أمر يفضي إلى العصيان ، فإن طريقة العقلاء في تربية العبيد تأبى عن ذلك . وأنت خبير بما فيه إذ القدر الواجب في الحكمة أن يكون التكليف المذكور مبنيا على مصلحة كاملة يستصغر معها ما يلحقه من الحرج . ألا ترى أن العقلاء ربما يتحملون الأمور الصعبة ويرتكبون الأهوال العظيمة لرجاء الوصول إلى المنافع المقصودة والمصالح المطلوبة . والأطباء قد يعالجون المرضى بما فيه غاية الحرج والمشقة - كتقطيع الأعضاء المتآكلة - فيمدح ذلك من فعلهم ، وإذا ترتبت عليها الفوائد المقصودة انتشر بين العقلاء مدحهم والثناء عليهم ، وعد ذلك من أبلغ الحكمة وأحسن التدبر ، واستحقوا بذلك أحسن الثناء وأكمل الثواب . والمرضى متى وثقوا بقول الأطباء وظنوا بذلك العافية وحسن العاقبة اشتد شوقهم إلى تحمل المعالجات الصعبة ، وكذلك العقلاء متى وثقوا بقول أطباء النفوس استلانوا ما استوعره المترفون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون . ويشهد بما ذكرنا ما يظهر من الأخبار والآثار من وقوع التكليف بالأمور الشاقة في الأمم السالفة حتى كانت أمة منهم إذا أصاب أحدهم قطرة بول يقرضون لحومهم بالمقاريض ، وإنما تفضل الله تعالى على هذه الأمة المرحومة بوضع الشريعة الطاهرة على غاية اليسر والسهولة ورفع أقسام الحرج والمشقة عنها ، كما قال تعالى * ( ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ) * ( 1 ) وكان ذلك بدعائه ( صلى الله عليه وآله ) في ليلة المعراج بقوله * ( ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ) * ( 2 ) فقد جاء في تفسيره ما يدل على ذلك بأبلغ الوجوه ، رواه العياشي ( 3 ) وعلي بن إبراهيم ( 4 ) في تفسيرهما والطبرسي في الاحتجاج ( 5 ) .
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : 157 . ( 2 ) سورة البقرة : 286 . ( 3 ) تفسير العياشي : ج 1 ص 159 ح 531 . ( 4 ) تفسير علي بن إبراهيم : ج 1 ص 95 . ( 5 ) الاحتجاج : ص 221 - 222 .
هداية المسترشدين — صفحة 740 | الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني