تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية المسترشدين — صفحة 739

مساهمون:

ص٧٣٩
وقد يوجه في المقام بأن التكليف بما فيه الحرج قاض بوقوع كثرة المخالفة ، وهو مناف لمقتضى الرأفة الإلهية والعناية الأزلية ، فإنه سبحانه أرحم بعباده من أن يفتنهم بما يوقعهم في العذاب غالبا . ألا ترى أن المولى لو أمر عبده بأمور شاقة لا تتحمل عادة عد ذلك خارجا عن مقتضى اللطف مشوبا بالأغراض ، بل لا يفعل ذلك إلا من يريد العقوبة ويطلب إليها وسيلة ، كما قد يقع ذلك من الأمراء والسلاطين إذا أرادوا عقوبة أحد من خدامهم فيكلفونه بأمور شاقة لا يتحمل مثله لمثلها فيخالف فيأخذونه بذلك . وأما الذي يريد تربية عبده ويقصد إصلاح حاله فإنما يأمره بأمور سهلة لا يشق عليه ارتكابها تمرينا له على الالتزام بالطاعة إلى أن يسهل عليه ما فوقها ، بخلاف التكليف بما فيه الحرج والضيق فإنه من دواعي المخالفة وأسبابها ، فيكون مذموما عند العقلاء ويقولون : إن هذا ليس مقتضى اللطف بل اللائق أن يأمره بما لا يشق عليه حتى لا يوجب خذلانه ، بل ربما يقبل اعذار العبد في مخالفته بالمشقة ، نظرا إلى أن التكليف بالأمور الصعاب التي لا يتحمل غالبا لا يستحسن ممن لا غرض له سوى التربية والتكميل . واعترض بأن إفضاء التكليف المذكور إلى كثرة المخالفة ليس أمرا منافيا لمقتضى اللطف ، إنما هي نقص من جانب المكلف ، ولو أوجب ذلك عدم التكليف لزم أن يكون مقتضى اللطف عدم التكليف من رأس ، لإيجابه المخالفة ولا فرق فيها بين الكثرة والقلة ، مع أنا نرى كثرة المخالفة بحيث تجاوزت عن الحد ولم يوجبها إلا أصل التكليف . وقد يجاب بأن المقتضي لكثرة المخالفة ليس نفس التكليف لتساوي نسبته إلى الطاعة والمعصية ، وكما يرجح جانب المعصية دواعي الشهوة والغضب كذا يرجح جانب الطاعة كثرة الوعد والوعيد والترغيب والتهديد والثواب والعقاب ، مضافا إلى ما أنعم عليه من العقل المدرك لحسنها وقبح الخروج عنها لوجوه كثيرة . فكثرة وقوع المخالفة بسوء اختيار المكلفين بعد إتمام الحجة عليهم ليست مستندة
هداية المسترشدين — صفحة 739 | الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني