تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية المسترشدين — صفحة 731

مساهمون:

ص٧٣١
والإجماع منعقد على صحة التكليف بما علم الله أنه لا يقع وإن ظن قوم أنه ممتنع لغيره . وقد يتوهم من ذلك دعواه الاجماع على جواز التكليف بالممتنع الغيري ، وهو وهم فاحش . إنما يعني اتفاق أهل الشرائع والأديان على صحة التكليف بالأفعال وإن وقع الكلام في كونه تكليفا بالمحال ، فمن قال بالجبر يلزمه القول بجوازه بل وقوعه أيضا . وأما الممتنع الذاتي فالقول بجواز الأمر به لا يستلزم القول بوقوعه . وقد عرفت إنكاره تصريح الأشعري به . وذكر الآمدي اختلاف قوله في ذلك ، وأن ميله في أكثر أقواله إلى الجواز مع تمثيله لذلك بالجمع بين الضدين وقلب الأجناس وإيجاد القديم وإعدامه قال : وهو لازم على أصله في وجوب مقارنة القدرة للمقدور وعدم تأثيرها فيه . ثم قال : وهذا مذهب أكثر أصحابه وبعض معتزلة بغداد - حيث قالوا بجواز تكليف العبد بفعل في وقت علم الله أنه يكون ممنوعا عنه - والكرامية حيث زعموا أن الختم والطبع على الأفئدة مانعان من الإيمان مع التكليف به ، غير أن من قال بجواز ذلك من أصحابه اختلفوا في وقوعه نفيا وإثباتا ، ووافقه على القول بالنفي بعض الأصحاب وهو مذهب البصريين من المعتزلة وبعض البغداديين ، ثم اختار امتناع التكليف بالمستحيل لذاته وجوازه في المستحيل باعتبار غيره ، ونسب إلى الغزالي ميله إليه . وأنت خبير بأن الشبهات العقلية التي ذكروها في تجويز التكليف بالمحال إنما يجري في الممتنع الغيري ، إذ هي التي ذكروها للقول بالجبر وخلق الأفعال وعدم تأثير قدرة العبد في مقدوره ووجوب مقارنتها له ونحو ذلك ، فكأنهم يقيسون الممتنع الذاتي على ذلك بدعوى أن الامتناع إذا لم يمنع من التكليف تساوى فيه الذاتي والغيري . وهذه المقالات من الضلالات البالغة إلى أقصى الغايات .