تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية المسترشدين — صفحة 511

مساهمون:

ص٥١١
والذي يقتضيه التحقيق والنظر الدقيق : أن معنى الغاية والآخر والنهاية بحسب أصلها وحقيقتها إنما يقع فيما بين الجزءين المذكورين الداخلي والخارجي ، فليس شئ منهما بحقيقته غاية الشئ المستمر وآخره ومنتهاه . وكذا الحال في المبدأ فإنه يقابل المنتهى ، فحقيقتهما حينئذ أمران موهومان اعتباريان منتزعان من طرفي الشئ الممتد ، كالسطح المتوهم بين الجسمين ، فيدخل ما بعد الأداة فيما بعد الغاية بالمعنى المذكور على القول بخروجه عن المغيا ، وفيما قبلها على القول بدخوله . وحيث إن الأمر الاعتباري المذكور بعيد عن فهم العرف ولا يترتب عليه بنفسه كثير فائدة فلا جرم كان المنساق من لفظ " الغاية " ومن أداتها أحد الجزءين المتصلين به ، وعليه جرت الاستعمالات الشائعة ، لكونه أقرب المجازات إلى الحقيقة ، ويتساوى نسبتهما إليه من حيث نفسه ، إلا أنه قد يغلب الاستعمال في أحدهما فيحمل المطلق عليه ، ومنه نشأ الخلاف في الدخول والخروج ، فليس الاستعمال في شئ منهما بحسب الأصل واقعا على حقيقته ، كيف ؟ وهما مركبان من أجزاء غالبا ، ومن البين خروج ما سوى الجزء الأخير من الأول ، والأول من الثاني عن معناها فكذا الجزءان ، فإطلاقه عليهما لاتصالهما به وقربهما إليه ، أو باعتبار تركبهما من الآخر وما قبله أو ما بعده ، للقطع بأن ما قبل الآخر ليس من الآخر ، وكذا ما بعده ، فإطلاقه على أحدهما بالإضافة إلى ما تقدمه أو تأخر عنه فهو آخر إضافي لا حقيقي ، ولذا لا يطلق على الجزء البعيد عنه كالنصف الأخير في النهاية والأول في البداية إلا بطريق الإضافة ، وكلما قرب إلى الطرفين كان أقرب وألصق بحقيقة المبدأ والمنتهى والأول والآخر . نعم ، قد يقال بصيرورة اللفظ حقيقة في أحدهما لكثرة الاستعمال فيه وشيوعه ، كما هو الظاهر من لفظي " الأول " و " الآخر " فيمكن الجمع بين هذا الوجه وكل واحد من الأقوال والوجوه الآتية ، فقد يقال بصيرورته حقيقة في الجزء الخارج - مثلا - نظرا إلى كثرة الاستعمال فيه خاصة ، فلا يحمل على الداخل إلا بقرينة ، أو فيهما مع تقابلهما ، إلا أنه ينصرف إلى الخارج ، لكون الاستعمال فيه
هداية المسترشدين — صفحة 511 | الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني