وبين قوله : ( أم الكتاب ) - وهو اسم لواحد - ، فجعل الواحد
صفة ( 1 ) للجمع ( 2 ) ؟ ، وهذا فت في عضد البلاغة ( 3 ) وثلم في
جانب الفصاحة ! .
فالجواب : أن المراد بذلك كون هذه الآيات باجتماعها ، وانضمام
بعضها إلى بعض في إنزالها ، أما للكتاب ، وليست كل واحدة أما
بانفرادها ، فلما كان الامر على ما قلنا جاز وصف الجمع بالواحد ، إذ
كان في تعلق بعضه ( 4 ) ببعض وأخذ بعضه برقاب بعض بمنزلة الواحد ،
ولأنه سبحانه لو قال : هن أمهات الكتاب ، لذهب ظن السامع إلى أن
كل واحدة من الآيات أم لجميع الكتاب ، وليس المراد ذلك ، بل
المراد ما قدمنا القول فيه من كون الآيات بأجمعها أما للكتاب دون
بعضها ، لان المراد بكونها أما للكتاب أن بها يعلم ما هو المقصود
بالكتاب من بيان معالم الدين ، وذلك لا يرجع إلى كل واحدة من
الآيات ، بل يرجع إلى جميعها ، فالأم ههنا بمعنى : الأصل الذي
يرجع إليه ويعتمد عليه ، لان المحكم أصل للمتشابه يقدح به فيظهر مكنونه
ويستثير دفينه ، وعلى ذلك سميت والدة الانسان أما ، لأنها أصله
الذي منه طلع وعنه تفرع ، ولذلك سميت مكة أم القرى ، لان
هامش
( 1 ) ليس المراد بالصفة النعت في اصطلاح النحاة ، بل ما يطلق على الشئ مما لا يكون
علما للذات نعتا كان أو خبرا أو غيرهما ، وفي الآية وقعت ( أم الكتاب ) خبرا عن ( هن )
لا نعتا لها
( 2 ) وفي الأصل : للجميع
( 3 ) فت في عضده أو في ساعده : أضعفه وأوهنه
( 4 ) الضمير يرجع إلى الجمع .