الناس من عهد النبوة ؟ وليس بوسعنا أن نفهم
القرآن كما فهموه . والصوفية تذهب إلى أن على المسلم أن ينجو بنفسه بعيدا عن
السياسة وشؤونها ؟ وعلى رأسها الشاذلية والنقشبندية . أما قادة الإصلاح أمثال جمال
الدين الأفغاني فلا يقيمون وزنا لأعمال السلف ؟ وها هو الأفغاني يغضب عندما يقتبس
في مجلسه ما يقول القاضي عياض حجة ؟ وكأن ما كتبه وحي منزل فيقول : يا سبحان الله !
إن القاضي عياض قال ما قاله على قدر ما وسعه عقله وتناوله فهمه وناسب زمانه ؟ فهل لا
يحق لغيره أن يقول ما هو أقرب إلى الحق وأوجه ؟ وأصح من قول القاضي عياض أو غيره
من الأئمة ؟ وهل يجب الجمود والوقوف عند أقوال أناس أطلقوا لعقولهم سراحها فاستنبطوا
وقالوا وأدلوا دلوهم في الدلاء وفي ذلك البحر المحيط من العلم ؟ وأتوا بما ناسب
زمانهم وتقارب مع عقول جيلهم - وتتبدل الأحكام بتبدل الزمان . ولما قيل له : إن
ذلك يحتاج إلى الاجتهاد ؟ وباب الاجتهاد عند أهل السنة مسدود لتعذر شروطه ! تنفس
الصعداء وقال : ما معنى باب الاجتهاد مسدود ؟ وبأي نص سد باب الاجتهاد ؟ أو أي إمام
قال : لا ينبغي لأحد من المسلمين بعدي أن يجتهد ليتفقه في القرآن ؟ أو أن يهتدي بهدى
القرآن وصحيح الحديث . . .
أما الصعوبة الثانية فنراها في ما يجب على المسلم عمله تجاه شؤون السياسة . فهل
الإسلام دين لا يهتم إلا بالأمور العبادية ؟ وهل القرآن كتاب لا يحوي سوى توجيهات
أخلاقية وليس له صلة بالحكومة ؟ وصف قادة الإصلاح الخلاف بينهم وبين أهل التزمت
بالصراع بين العقل والنقل واتهموا غيرهم بالتمسك الأعمى بنص
حقوق أهل الذمة في الفقه الإسلامي — صفحة 57
مساهمون: تامر باجن أوغلو
ص٥٧