إلى ذلك لم يكن الفقيه لدى
الأحناف بحاجة إلى دليل قطعي لكل قضية حقوقية . وقد نسب إلى أبي حنيفة القول : إن
أحكام الشريعة محدودة ؟ بينما المسائل الفقهية لا تعد !
بخلاف المذاهب الثلاثة الأخرى نرى في مراجع الأحناف آراء لا تمت لروح القرآن بصلة .
فتقرأ في ملتقى الأبحر الذي ألف في القرن 17 حكما يقول إن المسلم يقتل
بالذمي ؟ أي أن مسلما قتل ذميا في دولة إسلامية يقتص منه . تقول المذاهب الأخرى
خلافا للحنفية إن المسلم في حال كهذا يعاقب فقط ! يدعي المصدر نفسه تبريرا
لتحريم عقوبة الحد للسرقة بأنه من الضروري النظر في مصلحة الإمبراطورية ؟ ولا ينبغي
أن ننسى أن السرقة في الجزيرة العربية لم تكن لتقتلع جذورها إلا بعقوبة كهذه .
يعالج المذهب الحنفي شؤون الإدارة والحكم أكثر من الأمور العبادية ؟ مما جعله مذهبا
يصلح لأن يكون دين الدولة .
أما المذهب الشافعي فيجب اعتباره حالة استثنائية ؟ لأنه انتشر بين العرب وغيرهم من
الشعوب . إن كان المذهب الحنفي امتاز بتأويله للأوامر والنواهي القرآنية على حساب
القرآن والسنة ؟ والاهتمام بالشؤون الدنيوية أكثر من القضايا العبادية ؟ فنرى
الشافعية على العكس تقر بأصول الشرع دون تلاعب بها وتبتعد عن المسائل الإدارية . فهي
فيما يتصل بالمسائل العبادية أكثر حزما واستقامة ؟ ويعود الفضل في انتشارها في
الشرق الأوسط عامة ؟ وبين السنيين في العراق خاصة ؟ إلى الحقد الدفين في قلوب
المسلمين على الحكم العثماني ومذهبه الحنفي . أما في بلدان الشرق الأقصى فقد انتشر
المذهب الشافعي بفضل نشاطهم التبشيري . يمكن أن نفهم
حقوق أهل الذمة في الفقه الإسلامي — صفحة 54
مساهمون: تامر باجن أوغلو
ص٥٤