الغواة فأغوتكم ، وتركتم الأئمة فتركوكم ، فأصبحتم تحكمون بأهوائكم ، إذا ذكر
الأمر سألتم أهل الذكر ، فإذا أفتوكم قلتم : هو العلم بعينه ، فكيف وقد تركتموه
ونبذتموه وخالفتموه . . ؟ ! رويدا عما قليل تحصدون جميع ما زرعتم ، وتجدون
وخيم ما اجترمتم وما اجتلبتم .
والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ! لقد علمتم أني صاحبكم والذي به أمرتم ،
وأني عالمكم والذي بعلمه نجاتكم ، ووصيي نبيكم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وخيرة ربكم ، ولسان
نوركم ، والعالم بما يصلحكم ، فعن قليل رويدا ينزل بكم ما وعدتم ، وما نزل
بالأمم قبلكم ، وسيسألكم الله عز وجل عن أئمتكم ، معهم تحشرون وإلى الله عز
وجل غدا تصيرون .
أما والله ! لو كان لي عدة أصحاب طالوت أو عدة أهل بدر - وهم
أعداؤكم - لضربتكم بالسيف حتى تؤولوا إلى الحق وتنيبوا للصدق ، فكان أرتق
للفتق ، وآخذ بالرفق ، اللهم فاحكم بيننا بالحق وأنت خير الحاكمين " .
ثم خرج من المسجد فمر بصيرة ( 1 ) فيها نحو من ثلاثين شاة فقال : " والله لو
أن لي رجالا ينصحون لله عز وجل ولرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بعدد هذه الشياه ، لأزلت ابن
آكلة الذبان [ الذباب ] عن ملكه .
قال : فلما أمسى بايعه ثلاثمائة وستون رجلا على الموت ، فقال
أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : " اغدوا بنا إلى أحجار الزيت محلقين " .
وحلق أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فما وافى من القوم محلقا إلا أبو ذر والمقداد
وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر ، وجاء سلمان في آخر القوم .
فرفع يديه إلى السماء فقال : " اللهم إن القوم استضعفوني كما استضعف
هامش
1 . الصيرة : حظيرة تتحذ من الحجارة وتتخذ من أغصان الشجر أنظر مجمع البحرين : 3 / 370 .