رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أسلم معه منهم ، فأغروا برسول الله صلى الله
عليه وسلم سفهاءهم ، فكذبوه وآذوه ورموه بالشعر والسحر والكهانة والجنون
ورسول الله صلى الله عليه وسلم مظهر لأمر الله لا يستخفى به ، مباد لهم بما
يكرهون : من عيب دينهم ، واعتزال أوثانهم ، وفراقه إياهم على كفرهم .
قال ابن إسحاق : فحدثني يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه عروة [ بن
الزبير ] عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قلت له : ما أكثر ما رأيت قريشا
أصابوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانوا يظهرون من عداوته ؟ قال :
حضرتهم ، وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر ، فذكروا رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فقالوا : ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط ، [ قد ] سفه
أحلامنا ، وشتم آباءنا ، وعاب ديننا ، وفرق جماعتنا ، وسب آلهتنا ، لقد صبرنا
[ منه ] على أمر عظيم ، أو كما قالوا . فبينا هم في ذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فأقبل يمشى حتى استلم الركن ، ثم مر بهم طائفا بالبيت ، فلما مر بهم
غمزوه ببعض القول . قال : فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال : ثم مضى ، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها ، فعرفت ذلك في وجه رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، ثم مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها ، فوقف ثم قال : أتسمعون
يا معشر قريش ؟ أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح . قال : فأخذت
القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع ، حتى إن
أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول ، حتى إنه ليقول :
انصرف يا أبا القاسم ، فوالله ما كنت جهولا . قال : فانصرف رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم ، فقال
بعضهم لبعض : ذكرتم ما بلغ منكم ، وما بلغكم عنه ، حتى إذا باداكم بما تكرهون
تركتموه . فبينما هم في ذلك طلع [ عليهم ] رسول الله صلى الله عليه وسلم فوثبوا
إليه وثبة رجل واحد ، وأحاطوا به يقولون : أنت الذي تقول كذا وكذا ؟
السيرة النبوية — صفحة 187
مساهمون: ابن هشام الحميري
ص١٨٧