والقمر كل في فلك يسبحون ) * ( 1 ) ، فإن الواو والنون لا تستعمل حقيقة
لغير العقلاء .
وقد أطبق الطبيعيون على أن الأفلاك بأجمعها حية ناطقة عاشقة ، مطيعة
لمبدعها وخالقها ، وأكثرهم على أن غرضها من حركاتها نيل التشبه بجنابه ،
والتقرب إليه جل شأنه ، وبعضهم على أن حركاتها لورود الشوارق القدسية عليها
آنا فآنا ، فهي من قبيل هزة الطرب والرقص الحاصل من شدة السرور والفرح .
وذهب جم غفير منهم إلى أنه لا ميت في شئ من الكواكب أيضا ، حتى
أثبتوا لكل واحد منها نفسا على حدة تحركه حركة مستديرة على نفسه ، وابن
سينا ( 2 ) في الشفاء مال إلى هذا القول ورجحه ( 3 ) وحكم به في النمط السادس من
الإشارات ( 4 ) ، ولو قال به قائل لم يكن مجازا ، فإن كلام ابن سينا وأمثاله وإن لم
يكن حجة يركن إليها الديانيون في أمثال هذه المطالب ، إلا إنه يصلح للتأييد .
ولم يرد في الشريعة المطهرة - على الصادع بها وآله أفضل الصلوات وأكمل
التسليمات - ما ينافي ذلك القول ، ولا قام دليل عقلي على بطلانه .
وإذا جاز أن يكون لمثل البعوضة والنملة فما دونها حياة ، فأي مانع من أن
هامش
( 1 ) الأنبياء ، مكية ، 21 : 33 .
( 2 ) ابن سينا ، الحسين بن عبد الله بن سينا البخاري ، أبو علي الملقب بالشيخ الرئيس ، الفيلسوف
الشهير ، نادرة الزمان ، أعجوبة الدهر ، له مشاركة في أغلب العلوم والفنون ، أفتى على المذهب
الحنفي وعمره اثنتا عشرة سنة ، صنف القانون في الطب ولما يبلغ السابعة عشرة ، له الشفاء ،
والإشارات ، وغيرها كثير ، أخذ الفقه عن إسماعيل الزاهد ، والفلسفة والمنطق ، عن النائلي ،
واعتمد على نفسه في حل أكثر المطالب ، مات سنة 427 وقيل 28 ه = 1035 - 1036 م .
له ترجمة في روضات الجنات 3 : 170 ت 268 / وفيات الأعيان 2 : 157 ت 190 / مرآة الجنان
3 : 47 / الكنى والألقاب 1 : 320 / عيون الأنباء : 437 / خزانة الأدب 4 : 466 / لسان الميزان
2 : 291 ت 1218 / سير أعلام النبلاء 17 : 531 ت 356 / الجواهر المضية 2 : 63 / البداية والنهاية
12 : 42 / ميزان الاعتدال 1 : 539 ت 2014 / دائرة المعارف الإسلامية 1 : 203 / وغيرها كثير .
( 3 ) الشفاء 2 : 45 ، الفصل السادس ، حركات الكواكب من السماء والعالم ، قسم الطبيعيات .
( 4 ) الإشارات والتنبيهات 2 : 34 .