تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهداية في الأصول تقريراً لأبحاث السيد أبو القاسم الخوئي — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
لا يكلَّف عبده بالمعيّن من أحد الأمرين المتساويين من كلّ وجه على وجه يعاقب عبده على ترك المأمور به والإتيان بالآخر فضلا [ عن ] أن يكلَّف بالمرجوح كذلك ، بل العاقل يختار الراجح في التكوينيّات ، والمولى الحكيم يكلَّف بالجامع - إن كان - أو أحدهما - إن لم يكن - في صورة تساوي الأمرين ، وبالراجح في صورة عدم التساوي في التشريعيّات . وأمّا في غير التشريعيّات وعدم وجود المرجّح فمن الواضح عدم القبح أصلا ، ضرورة أنّ العطشان الَّذي عنده كوزان متساويان في إيفاء المصلحة بلا تفاوت بينهما لا يتأمّل ولا يملك نفسه عن الشرب حتى يموت نظرا إلى أنّ ترجيح أحد المتساويين قبيح ، بل يختار أحدهما ويشرب من أحدهما قطعا ، وهذا واضح جدّاً . ومن هنا يعلم أنّ ما قاله رئيس المشكَّكين - من أنّ المصلحة الإلهية اقتضت وجود الحركة في الأجرام السماوية ، لكن الترجيح بلا مرجّح [ 1 ] كان قبيحا ، فما وجه حركة الشمس مثلا وسيرها من
هامش
[ 1 ] أقول : قد يتوهّم استحالة الترجيح بلا مرجّح نظرا إلى أنّ الترجيح يستلزم الترجّح استلزام الكسر للانكسار ، فلا يمكن الترجيح بلا مرجّح ، لاستلزامه الترجّح بلا مرجّح ، وفي مثال الكوزين يوجد المرجّح ولكنه لخفائه يختفي على الأغلب ، فالعطشان إنّما يرجّح أحد الكوزين المتساويين من جهة كونه أقرب إليه أو إلى يده اليمنى ، أو لأنّه الَّذي جاء بمدّ نظره أوّلا ، ووقع عليه توجّهه في بادئ النّظر ، وغير ذلك من المرجّحات الخفيّة . وفساده أظهر من أن يخفى حيث إنّ الترجيح وإن كان مستلزما للترجّح لا محالة إلَّا أنّ هذا الاستلزام لا يتولَّد منه استلزام آخر ، وهو أنّه إن كان الترجيح بلا مرجّح يكون الترجّح أيضا لا محالة بلا مرجّح ، ضرورة أن الترجّح لا يكون بلا علَّة ولا سبب ، بل علَّته وسببه هو الفاعل والمرجّح ، وهذا مراد من يقول باستحالته ، بخلاف الترجيح ، فإنّه وإن كانت له علَّة وسبب أيضا هو الفاعل والمرجّح إلَّا أنّ الفاعل رجّح المرجوح أو أحد المتساويين عبثا ومن دون غرض عقلائي ، وقبحه من هذه الجهة ، وإنكاره إنكار للبداهة ، وهذا مراد من يقول بقبحه ، وإلَّا فالترجيح بلا مرجّح - بمعنى أنّه بلا علَّة وسبب وفاعل - فممّا لا يشكّ في استحالته ذو مسكة ، كما في الترجّح بلا مرجّح . والحاصل : أنّ الانكسار كالكسر مثلا لا يمكن أن يكون بلا علَّة ، ولكن ترجيح كسر أحد الكوزين - اللازم كسر أحدهما - على الآخر لا بدّ له من مرجّح فيه أو كونهما متساويين في هذه الجهة حتى يكون حسنا ، وإلَّا فهو قبيح . ( م ) .
الهداية في الأصول تقريراً لأبحاث السيد أبو القاسم الخوئي — صفحة 214 | الشيخ حسن الصافي الأصفهاني / مؤسسة صاحب الأمر ( عج ) - قم المقدسة