ليس معلولا لعلمنا به ، بل علَّته أمر آخر لا ربط له بعلمنا به ، وهكذا لا ربط له بعلم الباري به ، إذ ليس العلم بالشيء إلَّا انكشافه لدى العالم من غير فرق بيننا وبين الباري في هذا المعنى ، والانكشاف كيف يمكن أن يكون مؤثّرا وعلَّة للشيء ؟ ولو كان كذلك ، للزم أن يكون الباري تعالى أيضا مجبورا في أفعاله ، إذ هو تعالى عالم بأفعال نفسه ، فأفعاله أيضا ضرورية له ، وإلَّا يلزم تخلَّف العلم عن المعلوم ، المحال في حقّه تعالى ، وهذا ممّا لا يمكن الالتزام به .
هذا تمام الكلام في الجبر ، والجواب عن شبهات الأشعري .
أمّا التفويض الَّذي قال به المعتزلة ، حفظا لعدله تعالى :
فالتزموا بأنّ العباد مختارون في أفعالهم تمام الاختيار بحيث لا يمكن للباري تعالى سلب الاختيار عنهم بتوهّم أنّ الممكن لا يحتاج في بقائه إلى المؤثّر ، فالباري تعالى بعد أن أوجد العبد وأعطاه القدرة والاختيار أجنبيّ عنه ، ولا يقدر على سلب اختياره وقدرته ، فقالوا بمقالة اليهود من أنّ يد اللَّه مغلولة .
وفساد هذا التوهّم ظاهر لا سترة عليه ، إذ الممكن - كما ثبت في محلَّه - محتاج إلى المؤثّر وإلى إفاضة الوجود من الحقّ حدوثا وبقاء ، إذ البقاء أيضا وجود ثان يحتاج إلى موجد ومؤثّر ، وإلَّا لزم انقلاب الممكن بالذات إلى الواجب بالذات .
وذلك لأنّ الافتقار - الَّذي هو من لوازم ذات الممكن وماهيّته -
الهداية في الأصول تقريراً لأبحاث السيد أبو القاسم الخوئي — صفحة 211
مساهمون: الشيخ حسن الصافي الأصفهاني
ص٢١١