فقرأه على رؤوس الاشهاد . وكان مشحونا بدعاء برويز ، ووصف طهارة أصبله ، وكبر قدره ، وقدم بيته ، ومآثر آبائه ، ومفاخر أسلافه . ثم قال في آخر كتابه : ولنا إلى الملك حاجة واحدة يسهل إنجاحها عليه . وهي أن ينفذ الينا صليب السميح . فإن له في خزانتكم مدّة . ونحن نرجو أن يمن ّ الملك به علينا ، ويردّه الينا . فإنه إذا فعل ذلك فكأنه أنعم على جميع سكان بلاد الروم صغيرهم وكبيرهم . فأنهم قوم أصيبوا في المسيح ، وفجعوا به . وفي ذلك ما يقلل جزعهم ، ويشفى غللهم . ومتى ما رددتم ذلك إلينا صيح بين الناس أنكم أخرجتم العداوة من قلوبكم ، وحصل الصفاء بيننا وبينكم . لما وقف برويز على كتابه استبشر وازداد سروره ، ثم أثنى على مقدم الرسل وحمده وشكره . ثم أمر بإنزالهم وإدرار الأنزال عليهم .
جواب كسرى برويز على رسالة القيصر
فأقام الرسول عنده شهرا . ثم كتب جواب الكتاب ، وأجاب عن جميع فصوله بأبلغ إجلال وأتم إعظام . وأجاب عن استدعاء الصليب بأن قال : إنه ليُصحَك منا إذا تصدّينا لإنفاذ خشبة بالية من إيران إلى أرض الروم . ونحن نخاف لو أظهرنا أمرها ، ونحترز من أن يضع الناس فينا ألسنتهم فيوسعوا قدِاحنا بريا ، وجلودنا فريا ، ويقولوا : صبأ برويز عن ملته ، وانتقل إلى دين زوجته . ثم مهما سنخت لكم حاجة أخرى سواها فأعرضوها فهي لكم مبذولة ، وأوامركم فيها مسموعة . ثم ختم الكتاب . وأمر فملئوا مائة وستين درجا أو كيسا بالجواهر الثمينة ، وأوقروا ثلاثمائة جمل من طرائف الصين والهند ومصر وغيرها . وأفاض الخلع على الرسل وأجزل لهم الصلات والأعطيات ، وردّهم بذلك كله إلى قيصر .
قلت : وسبب حصول خشبة الصليب في خزانة كسرى أنه نفذ بعض قوّاده في واقعة إلى بلاد الشام فدوّخها حتى انتهى إلى أرض فلسطين ، ووصل إلى مدينة بيت المقدس فقبض على أسقفها ومن كان من بها من القسيسين ، وطالبهم بهذه الخشبة وألحّ عليهم حتى دلوه عليها . وكانوا وضعوها في تابوت من الذهب ودفنوه في أرض في بستان جعلوه مبقلة . فخفر عنها بيده وأخرجها وبعث بها إلى كسرى . واللّه أعلم .
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 235
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص٢٣٥