وجزم القول بذلك . فقال له الوزير : أيها الملك ! إن الري مدينة خلق كبيرة فيها خلق كثير . وكيف يحل لك أن تخربها وتبدّد شمل ساكنيها ؟ قال : فإني أريد رجلا خبيثا حتى أوليه إياها الآن ، وأجعله مرزبانها ليخربها بالشوم وفعله المذموم . فقال : ليذكر الملك صفات هذا الرجل حتى يطلب ويولى المكان .
فقال : اطلبوا رجلا كثير الكلام ، قد ولد على أحسن طالع ، أشقر اللون ، ضعيفا لبدن ، البدن أقنى الأنف ، أصفر الوجه ، قصير القامة ، أحوال العينين أزرقهما ، كبير الأسنان ، سيئ الفكر ، دغل القلب ، يجمع بين الجبن والكذب والدناءة والقبح . فتعجب الموابذة من استقصاء الملك الأوصاف الدالة على الشر والخبث . فأخذوا في طلب رجل لعى هذع الصفة إلى أن عصروا على واحد . فجاءوا به إلى حضرة الملك . فلما رآه ضحك من ذلك المنظر القبيح فقال له : أي شيء تحسن من خصال الشر ؟ فقال : إني رجل فارغ الكيس من العقل ، لا أعرف الراحة ، ورأس مالي الكذب ، وإلى سبيل إلى الصدق . فأمر فجعلوه مرزبان الري ، وكتبوا له منشور بذلك ، وضموا اليه جماعة من الأجناد المتفرّقة فسار إليها . ولما تمكن منها أمر بلغ المآزيب من الدور والقصور ، وقتل ما يوجد فيها من السنانير . وقال : من أعاد ميزابا إلى داره أو وجدت قطعة من بيته فدمه حلال ، وماله مباح ، وثم إنه أغرى بكل من له شيء فجعل يصادرهم ويعاقبهم ويعصبهم عصب السم حتى أتى على جميع أموالهم .
فلما جاء الشتاء وتتابعت الأمطار خربت الدور ، وكثرت الجرذان في البيوت فخلت من الناس وجلوا عنها . وبقي يسير بهذه السيرة إلى أن خربت الري . وكان الخلق بها يتظلمون فلا يرون مغيثا ، ويصرخون ولا يجددون مجيبا . قال : ولما دخل فصل الربيع وزينت الأزاهير وجه الأرض ، وتصندل الماء ، وتمسك الهواء ، وخرجت النظارة للفُرَج ، وظفرت أسرى البيوت بالفَرَج ، وعزم برويز على البروز إلى الصحراء والنزول بين الخضرة والماء وعمدت زوجته أخت بهرام إلى سنور كبير لها فشنفته بأقارط وطينته بأنواط ، وأركبته فرسا ، وأمت بأن يعدّى الفرس بين يدي برويز .
فلما رآه قهقهه ضاحكا
طلب كردويه العفو من خسرو
فقال لها : سليني حاجتك . فقالت : حاجتي أن تهب إلى السنور فلا تقتله وأن تعرف عن الري عامل الشوم الذي قتل سنانيرها وقلع مآزيبها حتى خرجت دورها وتداعت قصورها . فأمر الملك حينئذ باسترجاع مخرّب الرباع من تلك البقاع . وخلص الناس من شؤمه .
وللّه الحمد .
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 232
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص٢٣٢