ما جرى عليه في تلك الوقعة ، ونفذ به بعض أصحابه . ولما وصل المبشر إلى قيصر نزل من تخته ، وكشف عن رأسه ، وحمد اللّه تعالى وشكره على ما يسره يمن النصر النسىّ والفتح الهنىّ . ثم كتب جواب الكتاب يعظه فيه وينصحه ويعرفه نعم اللّه عنده . وأخرج تاجا قيصريا وطوقا وقرطين ومائة وستين ثوبا منسوجا بالذهب ، وثلاثين حملا من الذهب والجوهر ، وصليبا مغرقا في الياقوت والزبرجد ، وحقة مملوءة من حبات اللؤلؤ . واستحضر السنايا ثم قال لوزيره . إن هذه الثياب لم تنسج على منوال ديننا ، وإن لبس الثياب المصلّبة رسم النصارى وليس من آيين شرعتا . ولو لم ألبس لاستوحش قيصر وظن الظنون . وإن لست قال الحاضرون : إنه تنصر وابتع ملة قيصر .
فقال الوزير : أيها الملك ! إن أمر الدين لا يتعلق بلا ملابس فإنك على ملة زردُشت وإن كتب متصلا بقيصر . فلس الملك خلع صره ، وعلق التاج فوق رأسه ، وأذن للناس فدخلوا عليه .
فلما رأوه في ملابس الروم زعم الجهال منهم أنه قد صبأ من دينه . وأما العقلاء فقد علموا أنه اختار رضي قيصر فيما اجتاب .
غضب نياطوس على بندويه وإصلاح مريم بينهما
قال : وفي اليوم الثاني استحضر نياطوس فمدّ السماط وحضر برويز الخلع القيصرية . ولما جلس على الطعام والشراب أعطاه خاله البَرسم فأخذه بيده وزمزم . فلما رأى نياطوس ذلك تنحى عن السماط وقال : كيف يجتمع البرسم والصليب ؟ فإنه ليلحق المسيح من ذلك الظلم ُ الصريح . فلما رأى بندوَيه ذلك لطم صاحب الصليب أو حامله بظهر يده . فغضب برويز واصفر وجهه . ولما رأى نياطوس ذلك وثب قائما وركب وعاد إلى مخيمه وفثارت أصحابه ولبسوا السلاح وركبوا وأقبلوا على سرادق برويز فنفذ نياطوس إليه فارسا يسومه إنفاذ بندويه اليه ، ويوعده إن لم يفعل ذلك بلى منه بأشدّ مما بلى به من جوبين . فامتنع برويز من ذلك وكاد يثور من ذلك فتنة عظيمة . فقالت مريم له ، وكانت ذات رأى وعقل : سلم إلىّ بندويه فإني أحمله إلى نياطوس حتى يراه الناس فتخمد جمرتهم ، وتسكن فورتهم ، وأعود به إلى حضرتك . فأجابها إلى ما قالت ، ونفذ بندويه في عشرة من غلمانه مع مريم إلى عمها ، وحملها رسالة له اليه . فركبت مريم . ولما دخلت على نياطوس ، ووقعت عينه على بندويه قام وتلقاه واعتنقه وأعزه وأكرمه ، وقال : إن ذاك خطب يسهل تلافيه ، وإن بساط السكر مطوىّ بما فيه . فخلع عليه وركب معه وعاد به إلى حضرة برويز .
ثم خلا بنياطوس واعتذر اليه وقال له فيما قال : إن هذا رجل لئيم بعيد عن الخير . وانه لم يرد بفعله ذلك غير الشر والضير . فاعمل أنت بمقتضى عقلك ، ولا تكدر علينا أمرنا ، ولا تقلع غرس الحسنى
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 219
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص٢١٩