واستصحب مناديا ، وسار إلى أن قرب من مخيم جوبين فأمره فنادى وقال : من كان ذنبه أعظم وأفظع فليكن لعفونا أرجى وفي فضلنا أطمع . فإنا قد وهبنا المذنبين للّه وتعالى ، وعفونا عنهم أجمعين .
فلما سمع أصحاب جوبين ذلك النداء انحازوا بأسرهم إلى معسكر برويز .
ولما طلع النهار لم ير جوبين معه غير خواصه فقال : الإحجام خير من الإقدام في هذا المقام .
هروب بهرام چوبينه من أمام كسرى برويز ولحاقه بخاقان الصين
فأوقر ثلاثة آلاف جمل من نخب الأموال وزبد الأثقال : وولى ظهر لم يكن رئى في حال من الأحوال ، وأخذ في بعض عوادل الطرق . فلما علم برويز بذلك أمر نستور فركب في ثلاثة آلاف فارس ، وسار في أثره . وكان جوبين يسوق مع يلان وايزدِكشَسب في ناحية ممن معه من الفل . فانتهوا إلى ضيعة وقد نال منهم العطش فرأوا عجوزا فاستسقوها . فسقتهم ماء ، وقدّمت إليهم غربال مقطعا عليه أقراص شعير . فجلسوا عليها فأكلوها . ثم طلبوا منها شرابا فجاءتهم بيقطينة فشرب منها جوبين حتى طابت نفسه . فقال للعجوز : ما الخبر عندكم اليوم ؟ فقالت : قد استفاضت الأخبار بانهزام جوبين وغلبة برويز . فقال لها : هل كان جوبين في قتال برويز مصيبا أم لا ؟ فضحكت وقالت : كأن الشيطان خاط عينك . أما تعلم أن ابن كشَسب إذا قاتل ابن هُرمزُد يُضحك منه ويبكى عليه ؟ فقال جوبين : اختياره لذاك هو الذي . أحوجه إلى شرب الرواح من اليقطين ، والقعود إلى خوان الغربال على أقراص الشعير . فبات في تلك الضيعة على تلك الهيئة .
ولما أصبح لحقه أصحابه وأُعلم بأن برويز نفذ خلفه العسكر فركب في أصحابه . وقد لحقه الطلب في أرض قصباء فأمر بريم النار فيها فاشتعلت . ولما رأى نستور بادره بنفسه ورماه بوهقه فاختطفه عن ظهر فرسه . فتضرع اليه نستور وطلب منه الأمان فقال : أنت أحقر من أن أمدّ يدي إليك لقتلك . فأطلقه وسار متوجها إلى الري عازما على قصد حضرة الخاقان .
رسالة كسرى برويز إلى قيصر الروم وإخباره بالنصر وجواب القيصر عليها
وأما برويز فإنه دخل إلى معسكر بهرام جوبين فنزل في مخيّمه ، وأطلق يد النهب في مخلفه شاكرا اللّه على نعمه . ثم استحضر الكاتب وأمره فكتب كتاب الفتح إلى قيصر ذاكرا فيه جميع
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 218
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص٢١٨