وقال بعضهم : علة تحريم البر بالبر متفاضلا أنه مطعوم .
وقال بعضهم : العلة في ذلك أنه مكيل . وقال بعضهم : العلة في ذلك أنه مدخر .
قال أبو محمد : وكل واحد من هذه الطوائف مبطلة لما عدت به الأخرى ،
فكلهم قد اتفق على إبطال التعليل بلا خلاف بينهم ، فليس ما أثبتت هذه الطائفة
من التعليل بأثبت مما أثبتت الأخرى ، ولا بعض هذه العلل أولى بالسقوط من
سائرها ، بل كلها دعوى زائفة ساقطة لا برهان عليها ، وهكذا جميع عللهم .
وليت شعري كيف يسهل على من يخاف سؤال الله تعالى يوم القيامة أن
يأتي بعلة لم يجدها قط لا لله تعالى ولا لرسوله صلى الله عليه وسلم فيثبتها في الدين ، فإنما ينسبها
إلى الله تعالى فيكذب عليه ، أو إلى رسوله صلى الله عليه وسلم فيقوله ما لم يقل ،
أو لا ينسب ذلك إلى الله تعالى ولا إلى رسوله صلى الله عليه وسلم فيحصل في أن
يحدث دينا من عنده نفسه ، ولا بد من إحداهما ، وهما خطتا خسف ، نعوذ
بالله منهما ، وبالله تعالى التوفيق .
قال أبو محمد : ومنهم طوائف يمنعون من تخصيص العلل ، ثم يجعلون علة
الربا في التمر بالرطب مخصوصة يحدث العرايا . فيقرون أن النص أبطل علتهم ،
ولو كانت حقا ما أبطلها ، لان الحق لا يبطل الحق ، وكذلك لا يمكن أن يبطل
حديث صحيح حديثا صحيحا إلا على سبيل النسخ فقط ، وأما على معنى أن
لا يقبل فلا سبيل إلى ذلك البتة . والحق لا يكذب بعضه بعضا أبدا .
قال أبو محمد : وقد سألهم من سلف من أصحابنا فقالوا : لو كانت العلة التي
تدعون في الشرائع موجبة لما ادعيتم من تحليل أو تحريم ، لكانت غير مختلفة
أبدا ، كما أن العلل العقلية لا تختلف أبدا .
مثال ذلك : أن الشدة والاسكار لو كانا علة لتحريم لكانت الخمر حراما
مذ خلقها الله تعالى ، فالخمر لم تزل مذ خلقها الله تعالى شديدة مسكرة ، وقد كانت
حلال في الاسلام سنين ، وهي على الصفة هي الآن لم تبدل ، ولا حدثت لها
حال لم تكن قبل ذلك فبطل بهذا أن تكون الشدة علة التحريم ، كما أن الباري
تعالى جعل النارية علة الاحراق وتصعيد الرطوبات ، فلا تزال كذلك أبدا ،
الاحكام — صفحة 1133
مساهمون: ابن حزم
ص١١٣٣