ودليل ذلك أن السبب والغرض لا يخلوان من أنهما مخلوقان لله تعالى ، أو أنهما
غير مخلوقين أصلا ، أو أنهما مخلوقان لغيره ، فمن جعلهما غير مخلوقين أصلا كفر ،
لأنه يجعل في العالم شيئا لم يزل ، ومن قال : إنهما مخلوقان لغير كفر ، لأنه يجعل
خالقا غير الله تعالى ، فثبت أنهما مخلوقان له تعالى وقد قام البرهان على أن كل
ما دون الله تعالى فهو خلق الله ، فإذا قد ثبت أن الغرض والسبب مخلوقان لله تعالى ،
فلا يخلو من أن يكون خلقهما لسبب أيضا ، ولغرض أو لا لسبب ولا لغرض ،
فإن كان فعلها لسبب آخر ، وغرض آخر ، لزم أيضا فيهما مثل ذلك ، حتى تنتهي
بقائل هذا إلى إثبات معدودات ومخلوقات لا نهاية لها . وهذا كفر من قائله ، وإن
كان تعالى فعلهما لا لسبب ولا لغرض ، فهذا هو قولنا إنه تعالى يفعل ما يشاء
لا معقب لحكمه ، لا لسبب ولا لغرض ، حاشا ما نص تعالى عليه فقط أنه فعله
للغرض أراده ، أو لسبب ، وأما ما لم ينص ذلك فيه فإنا نقطع على أنه تعالى فعله كما
شاء لا لغرض ولا لسبب ، وأما ما لم ينص ذلك فيه فإنا نقطع على أنه تعالى فعله كما
شاء لا لغرض ولا لسبب ولولا النصوص الواردة بذلك في بعض المواضع
ما حل لمسلم أن يقول : إن الله تعالى فعل كذا لسبب كذا ، ولا إن له عز وجل
في فعل كذا إرادة كذا * ( تلك حدود الله فلا تعتدوها ) * .
قال أبو محمد : ويقال لمن قال بالعلل وجعلها صفات في أشياء توجد فتشتبه بها ،
فيوجب ذلك أن يحكم لها بحكم واحد : إنك لا تعدم معارضا بصفات أخر توجب
غير الاحكام التي أوجبتم ، فإن أنتم أبطلتم حكم التشابه الذي يعارضكم به خصومكم
فقد أقررتم أن الاتباع لا معنى له ، ولا يوجب حكما ، وليس قول خصومكم فيما
أتوا به من ذلك بأولى بالسقوط من قولكم .
ومثال ذلك : أن تقولوا : لما أشبه النبيذ الخمر في أنه شديد ملذ مسكر وجب
له التحريم من أجل ذلك ، فيعارضكم خصومكم فيقولون : لما أشبه النبيذ المسكر
العصير في أنه لا يفكر مستحله ، وجب له التخليل من أجل ذلك ، فإن أبطلتم التشبيه
الذي أتى به خصومنا فقد أقررتم أن التشبيه لا يوجب حكما ، وهذا عائدا على
تشبيهكم الذي شبهتم ولا فرق .
الاحكام — صفحة 1132
مساهمون: ابن حزم
ص١١٣٢