* ( وهم يسألون ) * بيان جلي أنه لا يجوز لاحد منا أن يقول قولا لا يسأل عنه ،
ولزمنا فرضا سؤال كل قائل من أين قلت كذا ؟ فإن بين لنا أن قوله ذلك حكاية
صحيحه من ربه تعالى وعن نبيه صلى الله عليه وسلم ، لزمنا طاعته وحرم عليه التمادي في
سؤاله ، وإن لم يأت به مصححا عن ربه تعالى ، ولا عن نبيه صلى الله عليه وسلم ، ضرب برأيه
عرض الحائط ، ورد عليه أمره متروكا غير مقبول معه ، ولا مرضي عنه .
فهذا حكم السبب وفعله والعلامة والغرض والمعنى قد بينا كل ذلك غاية البيان
ولم نقل إلا ما قاله الله ربنا عز وجل ، وليست العبارة بالألفاظ المخالفة خلافا إذا
حقق المعنى فلم يبعث محمد صلى الله عليه وسلم إلى العرب فقط ، بل إلى أهل كل لغة من
الإنس والجن ، فلا بد ضرورة لكل أحد من عبارة يفهم بها كلام ربه تعالى ،
ومعنى مراده في الدين اللازم له ، وإنما أوردنا هذا لئلا يتعلق جاهل فيقول : إن
كلامك هذا ليس منصوصا في القرآن فأرينا ، أن حقيقة مفهومه كلها ، ومعناه الذي
لا يتحمل كلامنا معنى غيره منصوص في القرآن نصا جليا ظاهرا وبالله تعالى التوفيق .
فاعلم الآن أن العلل كلها منفية عن أفعال الله تعالى وعن جميع أحكامه البتة ،
لأنه لا تكون العلة إلا في مضطر .
واعلم أن الأسباب كلها منفية عن أفعال الله تعالى كلها ، وعن أحكامه . حاشا
ما نص تعالى عليه أو رسوله صلى الله عليه وسلم .
وأما الغرض في أفعاله تعالى وشرائعه فليس هو شيئا غير ما ظهر منها فقط ،
والغرض في بعضها أيضا أن يعتبر بها المعتبرون ، وفي بعضها أن يدخل الجنة
من شاء إدخاله فيها ، وأن يدخل النار من شاء إدخاله فيها .
وكل ما ذكرنا من غرضه تعالى في الاعتبار ، ومن إدخاله الجنة من شاء ومن
إدخاله النار من شاء ، وتسبيبه ما شاء لما شاء ، فكل ذلك أفعال من أفعاله ،
وأحكام من أحكامه لا سبب لها أصلا ، ولا غرض له فيها البتة ، غير ظهورها
وتكوينها فقط * ( لا يسأل عما يفعل ) * لولا أنه تعالى نص على أنه أراد منا
الاعتبار وأراد إدخال الجنة من شاء ، ما قلنا به ، ولكنا صدقنا ما قال ربنا
تعالى ، وقلنا ما علمنا ولم نقل ما لم نعلم .
فهذه حقيقة الايمان الذي تعضده البراهين الحسية والعقلية .
الاحكام — صفحة 1131
مساهمون: ابن حزم
ص١١٣١