وقالت طائفة : هو موجب للعلم أبدا إذا كان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فبطل
تشبيههم للعلة بالخبر .
قال أبو محمد : واحتج عليهم من سلف من أصحابنا فقالوا : ما تقولون في
إنسان قال في حياته أو عند موته : أعتقوا عبدي ميمونا لأنه أسود ، وله عبيد
سود كثير ، أتعتقونهم لعلة السواد الجامعة لهم ، والتي جعلها علة في عتق ميمون
قياسا على ميمون ؟ أم لا تعتقون منهم أحدا حاشا ميمون وحده ، فإن قلتم :
نعتقهم ، نقضتم فتاويكم ، وخالفتم الاجماع ، وإن قلتم . لا نعتقهم تركتم القول
بإجراء العلل وبالقياس وعدتم إلى قولنا .
قال أبو محمد : وهذا إلزام صحيح ، ونحن نزيده بيانا فنقول ، وبالله تعالى التوفيق :
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأمراء سراياه : إذا نزلتم بأهل حصن أو مدينة
فأرادوا أن تنزلوهم على حكم الله تعالى فلا تفعلوا ، فإنكم لا تدرون أتوافقون
حكم الله تعالى فيهم أم لا ، ولكن أنزلوهم على حكمكم ، ثم اقضوا فيهم ما شئتم ،
فإذا سألوكم أن تعطوهم ذمة الله عز وجل وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم فلا تعطوهم ذمة الله ولا
ذمة رسوله صلى الله عليه وسلم ولكن أعطوهم ذمتكم ، فإن تخفروا ذمتكم
أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله ، أو كلاما هذا معناه ، فهذا نص جلي
من رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن الاقدام على نسبة شئ إلى الله تعالى بغير يقين
لا يحل ، وأن نسبة ذلك إلى الانسان أهون وإن كان كل ذلك باطلا ، وقد قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن كان كذبا علي ليس ككذب على أحد ، فلو جاز أن يقال
بالقياس وبالفعل لكان الاقدام به على كلام الناس ، وأحكامهم أولى من
الاقدام به على الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم فلما اتفقوا على أن من قال : أعتقوا
عبدي سالما لأنه أسود ، وله عبيد سود أنه لا يعتق غير سالم وحده الذي
نص عليه ، اتقاء أن يعتقه ، وخوفا من تبديل أمر الموصي
وكلامه ، فإن الأولى بهم أن يتقوا الله عز وجل في قوله صلى الله عليه وسلم في النهي
عن الذبح بالسن : فإنه عظم . وفي أمره صلى الله عليه وسلم بهرق السمن إذا مات فيه الفأر ،
فلا يتعدوا ذلك إلى كل عظم وكل زيت وكل دهن وكل كلب وكل
سنور . وفي أمره صلى الله عليه وسلم البائل في الماء الراكد الذي لا يجزي
الاحكام — صفحة 1135
مساهمون: ابن حزم
ص١١٣٥