أن لا يتوضأ منه ولا يغتسل ، فلا يتعدوه إلى المحدث في الماء ، ولا إلى ما لم يبل
فيه أصلا ، فإن الأوجب عليهم ألا ينسبوا إلى الله تعالى ولا إلى رسوله صلى الله عليه وسلم
تعليلا لم ينصا عليه ، وأحكاما لم يأذنا بها ولا ذكراها أصلا ، ولا في كلامهما
ما يوجبهما البتة ، ولكنهم اتقوا أن ينسبوا إلى الناس ما لا يقولون ، ولم يتقوا
أن ينسبوا إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ما لم يقولا ، وحسبك بهذا عظيمة ،
نعوذ بالله منها .
وقد شغب بعضهم في هذا السؤال بأن قال : كنا نعتق سائر عبيده السودان
لو أن الموصي يقول لنا بعقب قوله : أعتقوا عبدي سالما لأنه أسود
واعتبروا - فكنا حينئذ نعتق كل عبد له أسود .
قال أبو محمد : وهذا جواب فاسد من وجهين : أحدهما : أنه حتى لو قال
ذلك ما جاز أن يعتق كل عبد له أسود ، لأنه ليس قوله اعتبروا أولى بأن
يكون معناه قيسوا منه بأن يكون معناه واعتبروا بحالي التي أنا فيها فبادروا
إلى طاعة ربكم ولا تخالفوا وصيتي .
وأيضا فيلزم من أجاب بهذا الجواب الفاسد ألا يقيس على شئ من الاحكام
إلا حتى يكون إلى جنب كل حديث فيه حكم أو كل آية فيها حكم ، واعتبروا
واعتبروا وهذا غير موجود في شئ من الاحكام ولا في الحديث ولا في صلة
شئ من الآيات ، فبطل القياس جملة بنص قوله هذا المجيب ، ولله تعالى الحمد .
قال أبو محمد : والسؤال باق بحسبه عليهم ونزيدهم فيه فنقول : حتى لو قال :
فاعتبروا ، ثم لما كان نهارا آخر قال : اذبحوا كبشي الفلاني ، لأنه أعرج وله كباش
عرج ، أيذبحون كل كبش له أعرج ، من أجل قوله بالأمس في أمر عتق عبد
واعتبروا ؟ . أم لا يقدمون على ذلك إلا حتى يكون عند وصيته به واعتبروا ؟ .
فإن قالوا : نكتفي بقوله : واعتبروا مرة واحدة ، خرقوا الاجماع ، وهذا أمر
لا يقولونه ، ولو قالوه لكانوا حاكمين بلا دليل ، ومدعين بلا برهان ، وإن لم
يقولوا بذلك فقد تركوا القياس جملة ، ولزمهم طلب هذه اللفظة إلى جنب كل آية
وحديث وهذا لا يجدونه أبدا .
قال أبو محمد : وقد قال بعضهم في جواب هذا السؤال ، إذ تتبعنا عليهم إدخالهم
الاحكام — صفحة 1136
مساهمون: ابن حزم
ص١١٣٦