اتفقا عليه ، ومثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن مسعود : إذنك على أن يرفع
الحجاب وأن تستمع سوادي حتى أنهاك فكان رفع الحجاب واستماع حركة
النبي صلى الله عليه وسلم علامة الاذن لابن مسعود ، وكقوله صلى الله عليه وسلم : إني لأعرف
أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل وأعرف منازلهم من
أصواتهم بالقرآن بالليل وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار فكانت
أصوات الأشعريين بالقرآن علامة لموضع نزولهم ، ومن هذا أخذت الاعلام
الموضوعة في الفلوات لهداية الطريق ، والاعلام في الجيوش لمعرفة موضع الرئيس .
وقال أبو محمد : وهذا معنى رابع .
وقد سمي أيضا العلل معاني ، وهذا من عظيم شغبهم ، وفاسد متعلقهم ،
وإنما المعنى تفسير اللفظ ، مثل أن يقول قائل : معنى الحرام ؟ فتقول له
هو كل ما لا يحل فعله ، أو يقول : معنى الفرض ، فنقول : هو كل ما لا يحل
تركه ، أو يقول : ما الميزان ؟ . فنقول له : آلة يعرف بها تباين مقادير الاجرام ،
فهذا وما أشبه هو المعاني وهذا أيضا شئ خامس .
وكل هذا لا يثبت علة الشرائع ولا يوجب قياسا ، لان العلامة إذا كانت
موضوعة لان يعرف بها شئ ما ، فلا سبيل إلى أن يعرف بها شئ آخر بوجه من
الوجوه ، لأنه لو كان ذلك لما كانت علامة لما جعلت له علامة ، ولوقع الاشكال .
قال أبو محمد : فلما كانت هذه المعاني المسماة الخمسة التي ذكرنا ،
مختلفة متغايرة كل واحد منها غير الآخر ، وكانت كلها مختلفة الحدود
والمراتب ، وجب أن يطلق على كل واحد منها اسم غير الاسم الذي لغيره
منها . ليقع الفهم واضحا ، ولئلا تختلط فيسمى بعضها باسم آخر منها ، فيوجب
ذلك وضع معنى في غير موضعه ، فتبطل الحقائق .
والأصل في كل بلاء وزعماء تخليط وفساد ، اختلاط أسماء ووقوع اسم
واحد على معاني كثيرة ، فيخبر المخبر بذلك الاسم ، وهو يريد أحد المعاني التي تحته
فيحمله السامع على غير ذلك المعنى الذي أراد المخبر ، فيقع البلاء والاشكال ، وهذا
في الشريعة أضر شئ وأشده هلاكا لمن اعتقد الباطل ، إلا من وفقه الله تعالى .
فإذا قد بينا هذه الأسماء الأربعة ، وهي : العلة والغرض والسبب والعلامة ، وبينا
الاحكام — صفحة 1129
مساهمون: ابن حزم
ص١١٢٩