على الرضيع . وكنا نقول إنه لا يحرم إلا ما كان في الحولين من الرضاع ، لان
الأصل أن الرضاع لا يحرم شيئا ، فلما حرم تعالى نكاح النساء بالرضاع ووجدناه
تعالى قد جعل حكم الرضاع الذي أمر به حولين وما زاد عن الحولين فليس مأمورا ،
به ولكنه مباح ، وجب أن يكون الرضاع المحرم هو الرضاع المأمور به لا ما سواه ،
إلا أن يقوم دليل على ما سواه من نص أو إجماع فيصار إليه . ولكن المصير
إلى قول الله تعالى : * ( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ) * وحمل
ذلك على عمومه . وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أخبر أن سالما وهو رجل ذو
لحية تحرم عليه التي أرضعته لا يجوز مخالفة شئ من ذلك وبالله تعالى التوفيق .
هذا على أن أكثر القائلين بدليل الخطاب المذكور قد جعلوا ما زاد على
الحولين ، بشهر ، وقال بعضهم : بستة أشهر ، وقال بعضهم : بسنة كاملة ،
بمنزلة الحولين ، وحرموا بكل ذلك ، تناقضا لما أصلوه ، وهدما لما أسسوه ،
وبيانا منهم أن حكمهم بذلك من عند غير الله تعالى .
واحتجوا فقالوا : قد أعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم ، فمحال أن
يذكر الله عز وجل أو رسوله صلى الله عليه وسلم لفظة إلا لفائدة ، وقد ذكر عليه
السلام السائمة ، فلو لم يكن لها فائدة لما ذكرها .
قال أبو محمد : وهذا سؤال أهل الالحاد ، وهو مع ذلك غث وتمويه شديد ،
ونحن مقرون أن الله تعالى لم يذكر لفظه إلا لفائدة ، وكذلك رسوله صلى الله عليه وسلم
ولكنا نخالفهم في ماهية تلك الفائدة ، فنحن نقول : إن الفائدة في كل لفظة
هي الانقياد لمعناها والحكم بموجبها ، والاجر الجزيل في الاقرار بأنها من
عند الله عز وجل ، وألا نسأل لأي شئ قبل هذا ؟ وألا نقول لم لم يقل
تعالى كذا ؟ وأن لا نتعدى حدود ما أمرنا الله به فنضيف إلى ما ذكر ما لم يذكره ،
أو نحكم فيما لم يسم من أجل ما سمي بخلاف أو وفاق ، وألا تخرج مما أمرنا
به شيئا بآرائنا بل نقول : إن هذه كلها أقوال فاسدة واعتراضات كل جاهل
زائغ عظيم الجرأة ، فلا فائدة أعظم مما أدى إلى الجنة وأنقذ من النار . وأما هم
فهم أعرف بالفوائد التي يبطلونها من غير ما ذكرنا .
وقالوا : قد كان يغني ذكر الغنم جملة عن ذكر السائمة .
الاحكام — صفحة 895
مساهمون: ابن حزم
ص٨٩٥