قال أبو محمد : فيقال لهم : هذا تعليم منكم لربكم عز وجل ، كيف ينزل وحيه
ولنبيه صلى الله عليه وسلم كيف يبلغ عن ربه تعالى ، فمن أضل ممن ينزل نفسه في هذه المنزلة
ويقال لهم : ما الفرق على مذهبكم الفاسد بين ذكره تعالى في الاستغفار سبعين
مرة ، ومراده تعالى بلا خوف منا ومنكم أن ما فوق السبعين بمنزلة السبعين بما بين
في الآية الأخرى ، وبين ذكره صلى الله عليه وسلم السائمة ومراده أيضا مع السائمة غير السائمة
بما بين في حديث آخر ؟ وهلا اكتفى بذكر النهي عن الاستغفار جملة عن السبعين مرة ؟ .
ويقال لهم في سؤالهم : فما معنى ذكر السائمة ، وقد كان يغني ذكر الغنم جملة ؟ :
ما معنى ذكره تعالى جبريل وميكائيل بعد ذكره الملائكة في قوله تعالى : * ( من كان
عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين ) * وقد كان يغني ذكر الملائكة
جملة ؟ وما معنى قوله تعالى : * ( إن إبراهيم لحليم أواه منيب ) * أترى إسماعيل
لم يكن حليما أواها ؟ وما معنى قوله تعالى في إسماعيل : * ( إنه كان صادق الوعد ) *
أترى إبراهيم وموسى وعيسى لم يكن وعدهم صادقا ؟ .
ويقال لهم : قد وجدنا الله تعالى يأتي في القرآن ، وهو المعجز نظمه ، بذكر
قصة من خبر أو شريعة أو موعظة ، فيذكر من كل ذلك بعض جملته في مكان ،
ثم يذكر تعالى ذلك الخبر بعينه ، وتلك الشريعة بعينها ، وتلك الموعظة بعينها في مكان
آخر بأتم مما ذكرها به في غير ذلك الموضع ، ولا يعترض في هذا إلا طاعن على
خالقه عز وجل ، لان الذي ذكرنا موجود في أكثر من مائة موضع في القرآن ،
في قصة موسى ونوح وإبراهيم وآدم ، وصفة الجنة والنار ، وأمر الصلاة والحج
والصدقة والجهاد وغير ذلك . وقد كان صلى الله عليه وسلم يكرر الكلام إذا تكلم به ثلاثا ،
ولا فرق بين تكرار جميعه ، وبين تكرار بعضه ، فكرر صلى الله عليه وسلم ذكر الغنم
السائمة في مكان ، وذكر في مكان آخر الغنم جملة ، كما كرر قوله تعالى : * ( ثم
اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا ) * . وكما كرر تعالى ذكر موسى عليه السلام في
القرآن في مائة وثلاثين موضعا ، وإبراهيم عليه السلام في أربع وستين موضعا ،
ولم يذكر إدريس واليسع وإلياس وذا الكفل إلا في موضعين من القرآن فقط ،
وكما كرر تعالى : * ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) * أكثر من آية ) في سورة واحدة إحدى وثلاثين مرة
فهل لاحد أن يعترض فيقول هلا بلغها أكثر ؟ أو هلا اقتصر على عدد منها أقل ؟
الاحكام — صفحة 896
مساهمون: ابن حزم
ص٨٩٦