أو ما كان يكفي مرة واحدة ؟ كما قال هؤلاء المخطئون : هلا اكتفى بذكر الغنم عن
ذكر السائمة ؟ وقد بينا أنه لا فائدة لله تعالى في شئ مما خلق ولا في تركه ما ترك ،
وأن الفائدة لنا في ذلك الاجر العظيم في الايمان بكل ذلك كما قاله تعالى : * ( فأما
الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون ) * وأخبر تعالى أن الكفار قالوا : * ( ماذا
أراد الله بهذا مثلا ) * فنحن نزداد إيمانا بما أوردنا ، ولا نسأل ماذا أراد الله
بهذا مثلا ، فليختاروا لأنفسهم أي السبيلين أحبوا ، كما قال علي بن عباس :
أمامك فانظر أي نهجيك تنهج طريقان شتى : مستقيم وأعوج
وقد يمكن أن تكون الفائدة في تكرار السائمة والاقتصار عليها في بعض
المواضع فائدة زائدة على ما ذكرنا ، وهي أننا قد علمنا أن بعض الفرائض أوكد من
بعض ، مثل الصلاة فإنها أوكد من الصيام . وليس ذلك بمخرج صيام رمضان على
أن يكون فرضا ، ومثل القتل والشرك فإنهما أوكد في التحريم من لطمة المرء المسلم
ظلما ، وليس ذلك بمخرج للطمة ظلما من أن تكون حراما ، وإنما المعنى فيما ذكرنا
من التأكيد أن هذا أعظم أجرا ، وهذا أعظم وزرا ، وما استواء كل ذلك في
الوجوب وفي التحريم فسواء ، لا تفاضل في شئ من ذلك . وكل ذلك سواء إن
هذا حرام وهذا حرام ، وإن هذا واجب وهذا واجب ، فيكون على هذا أجر
المزكي غير للسائمة أعظم من أجر المزكي غير السائمة ، وكل مؤد فرضا ومأجور على
ما أدى ويكون إثم مانع زكاة السائمة أعظم من إثم مانع زكاة غير السائمة ، وكلاهما
مانع فرض ، ومحتقب إثم ، فلتخصيص السائمة بالذكر في بعض المواضع على هذا
فائدة عظيمة ، كما أن الزاني بامرأة جاره أو امرأة المجاهد والحريمة أعظم إثما من
الزاني بامرأة أجنبية ، أو امرأة أجنبي ذمي أو حربي ، وكل زان وآت كبيرة وآثم
إلا أن الاثم يتفاضل . ومثل هذا قوله تعالى : * ( وبالوالدين إحسانا ) * وكقوله تعالى :
* ( فأما اليتيم فلا تقهر ئ وأما السائل فلا تنهر ) * فهل في هذا إباحة قهر غير اليتيم ونهر
غير المسكين ، أو المنع من الاحسان إلى غير الآباء من ذوي القربى والجيران
وسائر المسلمين ؟ ولكنه لما كان قهر اليتيم ونهر المسكين وترك الاحسان إلى
الوالدين أعظم وزرا وأعظم أجرا ، خصوا بالذكر في بعض المواضع ، وعموا
مع سائر الناس في مواضع أخر ، فلعل السائمة مع غير السائمة كذلك ، وكذلك
الاحكام — صفحة 897
مساهمون: ابن حزم
ص٨٩٧