الأصل أن رواية الشعر حلال باستنشاد النبي صلى الله عليه وسلم للاشعار وسماعه إياها .
وأما رواية ما هجي به صلى الله عليه وسلم فحرام سماعه وقراءته وكتابته وحفظه بقول
الله تعالى : * ( وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده
أبدا ) * وبقوله تعالى آمرا بتعزيره وتوقيره في غير ما آية . فلما جاء النهي عن امتلاء
الجوف من الشعر كان ذلك مخرجا لكثير منه من جمله كله المباح ، وبقي ما دون
الامتلاء مما سوى هجو النبي صلى الله عليه وسلم على الإباحة ، وحد الامتلاء هو ألا يكون
للانسان علم إلا الشعر فقط ، وحد ما دون الامتلاء أن يعلم المرء ما يلزمه
ويروي مع ذلك من الشعر ما شاء .
واحتجوا أيضا بقول أبي عبيد فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : لي الواجد يحل
عرضه وعقوبته أن ذلك مخرج لغير الواحد عن إحلال العرض والعقوبة .
قال أبو محمد : وليس هذا كما ظنوا ، ولكن لما أخبر صلى الله عليه وسلم أن أعراضنا
علينا حرام ، وأن المسلم أخو المسلم لا يسلمه لا يظلمه . كان كل أحد حرام
العرض والعقوبة ، فلما جاء النص بتغيير المنكر باليد وكان لي الواجد منكرا
لأنه منهي عنه ، كان ذلك مدخلا لعقوبته في جملة تغيير المنكر المأمور به ، ومخرجا
له مما حرم من أعراض الناس جملة وعقوباتهم ، هذا الذي لا يفهم ذو لب
سواه ، ولا ينفقه غيره ، واحتجوا بأن الشافعي أحد أئمة أهل اللغة وقد قال :
إن ذكره صلى الله عليه وسلم السائمة دليل على أن ما عدا السائمة بخلاف السائمة .
قال أبو محمد : أما إمامة الشافعي رحمه الله في اللغة والدين فنحن معترفون بذلك ،
ولكنه رضي الله عنه بشر يخطئ ويصيب ، وليت شعري أين كان الشافعي رحمه
الله عن هذا الاستدلال ، إذ قال جل ذكره في رقبة القتل أن تكون مؤمنة دليل
على أن المسكوت عنه من دين الرقبة في الظهار ، بمنزلة المنصوص في رقبة القتل أن
تكون أيضا مؤمنة ؟ وليت شعري أي فرق بين ذكره تعالى الايمان فرقبة
القتل وذكره صلى الله عليه وسلم السائمة في حديث أنس . فبقول قائل : رقبة الظهار التي
سكت عن ذكر دينها بمنزلة رقبة القتل التي ذكر دينها ، وأما غير السائمة من الغنم ،
وإن كان السوم لم يذكر في حديث ابن عمر ، فبخلاف السائمة ، وما الفرق
بين من عكس الحكم ؟ فقال : بل غير السائمة بمنزلة السائمة كما قال المالكيون .
الاحكام — صفحة 893
مساهمون: ابن حزم
ص٨٩٣