قال أبو محمد : وهذا خطأ من وجهين : أحدهما أن ذلك دعوى بلا دليل ،
ولو قطع صلى الله عليه وسلم بذلك لكان حقا ، ولكنه لم يقطع على ذلك ، وأنه لما يئس من
المغفرة لهم بالسبعين رجا بالزيادة ، وهذا الحديث من أعظم حجة عليهم في دعواهم
التي نسوا أنفسهم فيها فقالوا : إن ما عدا القنطار في قوله تعالى : * ( وآتيتم إحداهن
قنطارا ) * ، وما عدا آلاف من قوله تعالى : فلا تقل لهما أف ) * بمنزلة القنطار وآلاف
فهلا قالوا : إن ما عدا السبعين بمنزلة السبعين ، كما قالوا : إن ما عدا القنطار بمنزلة القنطار
أو هلا قالوا : إن ما عدا القنطار بخلاف القنطار . كما قالوا : إن ما عدا السبعين
بخلاف السبعين ، بل قد أكذب الله تعالى قولهم بإنزاله : * ( سواء عليهم استغفرت
لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم ) * وبنهيه تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عليهم
جملة ، فبين تعالى بهذه الآية العامة أن ما عدا السبعين بمنزلة السبعين .
ولا يظن جاهل أننا بهذا القول يلزمنا أن ما عدا المنصوص عليه له حكم
المنصوص ، ومعاذ الله من ذلك ، ولو ظننا ذلك كما ظنوا لكنا مخالفين لرسول
الله صلى الله عليه وسلم إذ رجا أن يكون ما عدا السبعين بخلاف السبعين ، فإننا لم نقل إن
بذكر السبعين وجب أن يكون ما عدا السبعين موافقا للسبعين ولا مخالفا لها ، بل
قلنا : ممكن أن يكون ما عدا السبعين موافقا للسبعين في ألا يغفر لهم ، وممكن أن
يكون بخلاف السبعين في أن يغفر لهم . وإنما ننتظر في ذلك ما يرد في البيان ،
كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فرق ، ثم ينزل الله تعالى ما شاء إما بموافقة لما قد
ذكر وإما بمخالفة له ، وكان الأصل إباحة الاستغفار جملة بقوله عز وجل :
* ( وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم ) * والصلاة ههنا الدعاء بلا خلاف ، والاستغفار
دعاء ، وهو نوع من أنواع الدعاء ، فلما نص على خروج السبعين من جملة الدعاء
لهم ، كان ما بقي على ظاهر الإباحة المتقدمة ، حتى نهى عن الاستغفار لهم جملة ،
وعن الصلاة عليهم البتة .
وقد جاء نص الحديث هكذا كما قلنا من أخباره صلى الله عليه وسلم أنه مخير في ذلك
فأخذ بظاهر اللفظ ، حدثناه عبد الله بن يوسف عن أحمد بن فتح ، عن عبد الوهاب
ابن عيسى ، عن أحمد بن محمد ، عن أحمد بن علي ، عن مسلم ، نا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا
الاحكام — صفحة 891
مساهمون: ابن حزم
ص٨٩١