رغبة ، وأن فيهم من يغدر بالقليل خسة نفس واستهانة ، ويفي بالكثير مخافة
الشهرة أو انقطاع رزقه إن كان لا يعيش في مكسبة إلا بائتمان الناس إياه وهذا
كله موجود مشاهد ، معلوم بالحس .
فإن قالوا : فما فائدة الآية إذن ؟ قيل لهم وبالله تعالى التوفيق : الفائدة فيها
عظيمة ، فأول ذلك الاجر العظيم في تلاوتها في التصديق أنها من عند الله عز
وجل . وأيضا فالتنبيه لنا على التفكر في عظيم القدرة في ترتيبه لنا طبائع الناس ،
فمنهم الوفي الكافر ، والخائن الكافر ، وأيضا فائتمانهم على المال فإن ذلك مباح لنا
إذا قدرنا فيهم الأمانة ، وإبطال قول من منع من الوصية إليهم بالمال وهذا مثل
قوله تعالى : * ( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ) * ومثل قوله تعالى : * ( وأنزلنا من
السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد ) * وقد علمنا ذلك قبل نزول القرآن
ولكنه تنبيه ووعظ وتحريك إلى اكتساب الاجر بالاعتبار والفكرة في قدرة
الله عز وجل وذكره تعالى القنطار ههنا كذكره السبعين استغفارة في قوله تعالى : *
( إن تستغفر لهم سبعين مرة ) * وقد سبق في علم الله تعالى أنه سيبين مراده من ذلك
أنه تعالى لا يقبل استغفاره لهم أصلا ، وقد قلنا غير مرة إن مثل هذا السؤال
فاسد ، وأنه تعالى لا يسأل عما يفعل ، ونحن نسأل عن كل فعلنا وقولنا .
وأما قوله تعالى : * ( وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ) * ،
وقوله تعالى : * ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) *
فإنما علمنا عموم ذلك كله فيما دون الذرة وما فوقها من قوله تعالى : * ( ما لهذا الكتاب
لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك
أحدا ) * وبقوله تعالى : * ( أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ) * وبقوله تعالى
* ( ووفيت كل نفس ما كسبت ) * فهذه الآيات بينت أن ما فوق الذرة والخردلة
وما دونها محسوب كل ذلك ومجازي به ، وكذلك قوله تعالى : * ( ان تكن مثقال
حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله ) *
فإنما علمنا العموم في ذلك من قول الله تعالى : * ( وما من دابة في الأرض إلا على
الله رزقها ) * فشمل تعالى جميع أرزاق الحيوان في هذه الآية ، فدخل في ذلك
ما هو دون الخردلة وما فوقها .
الاحكام — صفحة 935
مساهمون: ابن حزم
ص٩٣٥