قال أبو محمد : فهذه أقسام القياس عند المتحذلقين القائلين به .
وذهب أصحاب الظاهر إلى إبطال القول بالقياس في الدين جملة ، وقالوا : لا يجوز
الحكم البتة في شئ من الأشياء كلها ، إلا بنص كلام الله تعالى ، أو نص كلام
النبي صلى الله عليه وسلم ، أو بما صح عنه صلى الله عليه وسلم من فعل أو إقرار ، أو إجماع من جميع علماء
الأمة كلها ، متيقن أنه قاله كل واحد منهم ، دون مخالف من أحد منهم ، أو بدليل
من النص أو من الاجماع المذكور الذي لا يحتمل إلا وجها واحدا ، والاجماع
عند هؤلاء راجع إلى توقيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولابد ، من لا يجوز غير ذلك
أصلا ، وهذا هو قولنا الذي ندين الله به ، ونسأله عز وجل أن يثبتنا
فيه ، ويميتنا عليه بمنه ورحمته . آمين .
وشغب أصحاب القول بالقياس بأشياء موهوا بها ، ونحن إن شاء الله تعالى
ننقض كل ما احتجوا به ، ونحتج لهم بكل ما يمكن أن يعترضوا به ، ونبين
بحول الله تعالى وقوته بطلان تعلقهم بكل ما تعلقوا به في ذلك ، ثم نبتدئ
بعون الله عز وجل بإيراد البراهين الواضحة الضرورية على إبطال القياس ،
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
فما شغبوا به أن قالوا : قال الله عز وجل : * ( ولا تقل لهما أف ) * فوجب إذ منع
من قول : * ( لهما ) * للوالدين أن يكون ضربهما أو قتلهما ممنوع ، لأنهما أولى من
قول : * ( أف ) * وقال تعالى : * ( وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ) * قالوا : فوجب
أن ما فوق القنطار وما دونه داخل كل ذلك في حكم القنطار في المنع من أخذه .
وقال تعالى : * ( وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها ) * قالوا : فعلمنا أن
ما دون مثقال حبة وما فوقها داخلان في حكم مثقال حبة الخردل ، أنه تعالى
يأتي بها ، وقال تعالى : * ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ير ومن يعمل مثقال ذرة
شرا يره ) * قالوا : فعلمنا أن ما فوق مثقال الذرة وما دونها يرى أيضا .
وقال تعالى : * ( ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن
تأمنه بدينار لا يؤده إليك ) * قالوا : فعلمنا أن ما فوق القنطار والدينار وما دونهما
في حكم القنطار والدينار ، وقال تعالى : * ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) * قالوا :
الاحكام — صفحة 931
مساهمون: ابن حزم
ص٩٣١